Close ad

النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

23-2-2024 | 11:59
النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود ـ تعبيرية

كان الخلفاء العباسيون في القاهرة بلا أي سلطة فعلية تُذكر، يتلقبون بلقب أمير المؤمنين؛ و لهم الدعاء على المنابر؛ وتنقش أسماءهم على بعض السكة، وما دون ذلك فكله إلى السلطان، بما فيه عزل وتولية الخلفاء أنفسهم، فقط كانت هناك حالة واحدة فريدة تستحق أن نتأملها مليًا، حتى و إن لم تدم سوى سبعة أشهر؛ وحتى وإن كانت وليدة المصادفة وصنيعة الظرف السياسي؛ وحتى و إن شابتها بعض المبالغات والاختلافات في التقدير.

موضوعات مقترحة

وُلد العباس بن محمد المتوكل على الله في القاهرة سنة ٧٩٢هـ ، وبُويع بالخلافة بعد موت أبيه سنة ٨٠٨ هـ، وقد لُقِّب بالمستعين بالله "الثاني"، حدث ذلك في بداية السلطنة الثانية للناصر فرج بن برقوق، والتي كانت وبالًا على مصر ودولة المماليك بشكل عام، فقد اجتمعت فيها التهديدات الإقليمية والفتن الداخلية مع القحط والوباء .
 
خلال أواخر سنة ٨١٤هـ خرج السلطان الناصر فرج من القاهرة لاخضاع الخارجين عليه بالشام، مصطحبًا معه الخليفة المستعين بالله، بعد أن تأكد له تكرارعصيان الأميرين "شيخ المحمودي" و"نوروز الحافظي"، وكانت تلك هي التجريدة الثامنة والأخيرة التي يخرج على رأسها الناصر فرج صوب الديار الشامية.

بعد مناوشات و كر و فر، اندلعت الواقعة الأولى التي انكسر فيها السلطان و ارتد إلى دمشق متحصنا بقلعتها، و قد وقع الخليفة المستعين في يد الأميرين شيخ و نوروز، تجري الأحداث سريعًا إلى أن حوصر السلطان بدمشق، واجتمع الأمراء للتشاور وقد تأكد لديهم أن نهاية الناصر فرج قد دنت، لكن الأمراء المجتمعين على قتاله كان بينهم من التنافس والعداوة ما يبشر باقتتالهم بمجرد التخلص من الناصر فرج، فكل منهم يتطلع للسلطنة وفي طاعته الكثير من المماليك والأتباع .

هنا يتفق الأمراء على أمر غير مسبوق، لقد عزلوا السلطان وسلطنوا الخليفة، وهي في الحقيقة حيلة تهدف لتوحيد الكلمة والحط من عزم أنصار فرج والتأثير على عامة الناس بدمشق وسائر الديار الشامية والمصرية كذلك، وقد وافق المستعين على مضض، و كتب ليعلم الناس بعزل فرج وبأن الأمر قد صار إلى الخليفة كاملاً بإجماع الأمراء والقضاة، وبالفعل انفض جمع من أنصار فرج و تركوه يواجه مصيره و ليس معه سوى قلة لا تستطيع الذود عنه، وانتهت الأحداث بالقبض على فرج وسجنه ثم قتله بتأييد من الخليفة والقضاة فضلاً عن أغلب الأمراء .

يعود المستعين إلى القاهرة ويدخلها كسلطان بعد أن خرج منها - قبل عدة أشهر - كخليفة في معية السلطان الناصر فرج، و قد زينت القاهرة لاستقبال السلطان الخليفة ومن معه من الأمراء، وقد عبرها موكبه وخرج من باب زويلة صاعدًا للقلعة على عادة السلاطين لا الخلفاء، وضربت السكة الجديدة باسم المستعين بالله، وقد تقدم اسمه لقب (الإمام الأعظم)، وهو لقب لم يحصل عليه أي من خلفاء القاهرة العباسين السابقين أو اللاحقين، وهنا يجدر بنا أن نتساءل عن سلطة المستعين الفعلية وإمكانية أن تساعدنا المسكوكات في الإجابة على هذا التساؤل ؟؟؟. 

من خلال دراسة وتحليل مسكوكات المستعين بالله الثاني المضروبة سنة ٨١٥هـ نخلص إلى بعض الملاحظات التي ستفضي لنظرية، ودعونا نبدأ بالملاحظات:-

* بالنظر إلى الألقاب على مسكوكات المستعين نلاحظ أنه قد تلقب بـ "الإمام الأعظم" على مسكوكات القاهرة؛ و بـ"أمير المؤمنين" على مسكوكات دمشق و حلب، وفي كل الأحوال لم يُلَقب بـ "السلطان"، باستثناء إصدار وحيد من فئة الدرهم ضُرِب بحلب، و فيه يسبق اسم المستعين لقب "السلطان الملك".

* كل مسكوكات المستعين تحمل على الظهر الشهادتين فقط، ولا ذكر لأي اسم آخر غير اسم الخليفة الذي على الوجه.

* أغلب ما وصلنا من مسكوكات المستعين كان رديء السك و مضروب بقوالب غير متقنة النقش، وهذا مؤشر على التسرع و إهمال جودة الصنعة، مقارنة بالسابق و اللاحق لها.

* يمكننا استنباط محدودية إجمالي ما ضُرِب باسم المستعين بالله من دنانير و دراهم، و تصنيف الندرة - حسب استيفن ألبوم - ما بين "نادر" و "نادر جدا" و "نادر للغاية".

* السكة الفضية تم تخفيض وزنها و عيارها، وسيصبح هذا التخفيض سمة عامة بدراهم دولة المماليك الجراكسة فيما بعد.

* بالبحث لم أصل لنماذج ضربت بالقاهرة من فئة الدرهم الفضي أو الفلس النحاسي، فقط توجد الدنانير الذهبية، على عكس دمشق و حلب فقد وصلتنا دراهم كل منهما مخفضة الوزن و العيار، وجدير بالذكر أن بول بالوج قد أخطأ في نسبة بعض الدراهم للقاهرة بينما هي ضرب حلب .

* ما وصلنا من دنانير ودراهم المستعين ضُرِبت في القاهرة  ودمشق و حلب فقط بسنة ٨١٥هـ ، وبنفس تأريخ تلك السنة وصلتنا أول دنانير و دراهم المؤيد شيخ .

* الطراز العام و نسق المأثورات على مسكوكات المستعين يشبه آخر ما ضُرِب باسم الناصر فرج وأيضا أول ما ضُرِبَ باسم المؤيد شيخ، و الأمر نفسه فيما يخص معيار الدنانير المشابه في الوزن وعيار الذهب لدوكات البندقية، ولهذا سُمي الدينار بندقي .

اعتمادًا على الملاحظات السابقة يمكننا بناء فرضية متماسكة، مفادها أننا أمام حاكم إسمي، استُدعِي ليكون واجهة شرعية خلال فترة انتقالية، و لتاريخ يُعلِمنا أنه كلما تنافس الأقوياء على السلطة وعجزوا عن حسم الصراع أتوا بطرف ضعيف من خارج الدائرة ريثما يستتب الأمر لأقواهم و يستلم زمام السلطة ، فبتحليل الرسائل السلطوية بين مأثورات تلك المسكوكات يتضح أن المستعين وإن كان قد عُومِل شكلياً كسلطان إلا أنه لم يُلَقب بـ "السلطان" على أغلب مسكوكاته، وهذا أمر كاشف لرؤية السلطة الفعلية الكامنة خلف الخليفة المُسلطَن، تلك السلطة الفعلية المتقاسَمة بين شيخ في الديار المصرية ونوروز في الديار الشامية، ولكل منهما سياساته النقدية و أسلوبه في الإدارة، ولذا لم يهتم أحد بجودة و كفاية ما ضُرِب باسم المستعين وخاصة في عاصمة السلطنة، بل واقتصر - في القاهرة - على الدنانير فقط، أي أنها لم تتح لعموم الناس، والأرجح أن الرسائل السياسية لهذا النقد كانت موجهة في الأساس للعسكر والمماليك والأمراء المتصارعين على عرش السلطنة.

في القاهرة أراد شيخ أن يُظهر إلتزامه بما تم الاتفاق عليه يوم كانوا على أبواب دمشق، وبالمثل كان نوروز في دمشق و حلب يريد اظهار نفس الأمر، في الحقيقة لم يرد كل من شيخ و نوروز - بتلك المرحلة - أن يضع اسمه على السكة قبل أن يدعم سلطته الفعلية بما يتيح له حسم الصراع ، وحين بادر شيخ للوثوب على كرسي السلطان كان عزل المستعين من السلطنة ثم الخلافة أهون عليه من قمع خصومه الأمراء، وفي نفس الوقت ضُرِبَت بالقاهرة دنانير شيخ - الذي تلقب بالمؤيد - بقوالب أكثر جودة، ربما بدأ حفر بعضها قبل تسلطن شيخ، لتصير سنة ٨١٥ هـ السنة المشهودة التي وصلتنا سكتها مرة باسم الناصر فرج بن برقوق؛ ومرة باسم الإمام الأعظم المستعين بالله؛ ومرة باسم المؤيد شيخ المحمودي، و ابتداءً من نفس العام تعود السكة المملوكية لسابق عهدها فيما يخص اسم السلطان واسم الخليفة، فالسكة المضروبة بمصر يحمل أغلبها إسم السلطان على الوجه والشهادتين على الظهر من دون الإشارة للخليفة العباسي المستقر بالقاهرة، أما السكة المضروبة بالديار الشامية فتحمل اسم السلطان على الوجه واسم الخليفة على الظهر، وهذا يؤكد ظننا بمسكوكات المستعين فيما أنها لو نطقت لقالت لنا:

"يوجد خليفة من دون سلطان ، فهو فعليًا لا يحكم ، و كرسي السلطان شاغرًا ينتظر من سيحسم الصراع لصالحه، و يُعيد سيرة السلاطين مع خلفاء الظل القاهريين". 

تخبرنا كتابات المؤرخين بأن المؤيد شيخ بعد عزله للمستعين من السلطنة أولا ثم من الخلافة قد حبسه ببرج في قلعة الجبل حتى أرسله سنة ٨١٩ هـ للسجن بالإسكندرية، حيث ظل مسجونًا إلى أن أطلق سراحه السلطان الأشرف برسباي فيما بعد، ليموت بالإسكندرية سنة ٨٣٣ هـ إثر إصابته بالطاعون، وسبحان من له الدوام ...

محمد عبد الحميد

باحث في تاريخ المسكوكات القديمة

المراجع :-

- تقي الدين المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك
- تقي الدين المقريزي، شذور العقود في ذكر النقود
- جمال الدين يوسف بن تغري بردي ، النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة
- خير الدين الزركلي ، الأعلام
- محمد بن جرير الطبري ، تاريخ الأمم والملوك

* Steve Album. Checklist of Islamic Coins
* Omer Diler. Islamic Mints
* Paul Balog. The coinage of the Mamluk sultans of Egypt and Syria


 النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

 النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

 النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

 النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

 النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة النقود المملوكية بين عزل السلطان وسلطنة الخليفة

محمد عبد الحميد باحث في تاريخ المسكوكات القديمةمحمد عبد الحميد باحث في تاريخ المسكوكات القديمة
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: