Close ad
27-2-2024 | 15:00

فى مجال إدارة الأزمات Crisis Management يوجد أسلوب على درجة كبيرة جدًا جدًا من الأهمية للتعامل مع الأزمات، هو "الإدارة بالأزمة" Management by Crisis كما يطلق عليه البعض فن صناعة الأزمة نظرًا لكونها أزمات مفتعلة، يجتهد مفتعلها في صناعتها والتخطيط لها لتحقيق غرض في نفسه.

في بداية التعرف على هذا الأسلوب قد نلحظ نوعًا من الخوف والحذر ينتاب البعض، لما قد يسببه مصطلح "الإدارة بالأزمة" من قلق وريبة من فكرة اصطناع الأزمة وافتعالها التي يدل معناها الظاهر والصريح على التسبب في مشكلة للآخرين، ورغم ذلك نجده - بعد الاقتراب منه والتعرف عليه جيدًا - ينال استحسانًا وربما بات له وقعًا وجاذبية شديدة في نفس القارئ الذي يكتشف أن هذا الحل السحري قد يكون الملجأ والملاذ للخروج من مشكلة أو مأزق، بدءًا من المستوى الدولي وحتى مستوى الأسرة.

ينصرف الهدف من الإدارة بالأزمة أو اصطناع الأزمة وافتعالها غالبًا إلى لفت النظرعن الأزمة الأصلية عندما يواجه القائمين عليها صعوبة في إدارتها بشكل سريع وفعال، وبالتالي يكون الحل السحري هو افتعال أزمة أخرى تلفت الأنظار إليها لينشغل الآخرون بها إلى أن يتم الانتهاء من إدارة الأزمة الأصلية، كما قد يتم اللجوء إلى أسلوب الإدارة بالأزمة لمعالجة أزمة أخرى مستعصية.

الأمثلة على الإدارة بالأزمة كثيرة، مثلًا عندما يرغب التجار الجشعين في تحقيق أرباح كبيرة، فيعمدون إلى إخفاء السلع والترويج لفكرة عدم توافرها وشحها في الأسواق، وبما يؤدي إلى نشوء أزمة بين المستهلكين، وبعد فترة تظهر السلع المخفية وتصبح متاحة للجمهور، ولكن بأسعار مرتفعة، ومن ثم يتحقق للتجار هدفهم الجشع وتزداد مكاسبهم من جراء أزمتهم المفتعلة. 

مثال آخر أراه رائعًا وجديرًا بالدراسة والتحليل لاتصاله الشديد بمجريات حياتنا اليومية، وقد يكون الكثيرون على خبرة ودراية به أزمة الإسراف؛ سواء جاءت من جانب الزوج أو الزوجة أو الأولاد، أزمة خطيرة يمكن أن تدمر كيان الأسرة، يتطلب التعامل معها الاستعانة بأسلوب الإدارة بالأزمة، وقد تمت ترجمة هذا المثال في أحد الأفلام القديمة التي قدمها الراحل يوسف وهبي والذي دارت قصته حول رجل بسيط بني نفسه بجهده وعرقه إلى أن أصبح من الأثرياء ثم تزوج امرأة من أسرة كبيرة، لم يعلم أنها مسرفة بشكل كبير، ولا أن أهلها قد وافقوا على زواجه منها رغم الفرق الاجتماعى الكبير لا لشيء إلا ليستغلوا ثروته ونفوذه.

وعندما أدرك ذلك حاول معها بكل الطرق السلمية لكى يستقيم حالها دون جدوى، ولما وصل إلى طريق مسدود لم يتردد في افتعال أزمة لعلها تكون المنجية. أخبرها أن شركته قد أفلست وأن ماله قد ضاع وأصبح فقيرًا، وفى سبيل تنفيذ المراد من الأزمة المصطنعة خطط ورتب لتحقيق هدفه، فانتقل بها إلى منزل بسيط ليس به أى مظهر من مظاهر الرفاهية التى اعتادتها، وكان ينصرف في الصباح ويخبرها أنه أصبح عاملًا في أحد المصانع بعد أن كان صاحب مصنع، وأصبح عليها أن تذهب إلى السوق وتطهو الطعام وتغسل الثياب وتنظف المنزل، واستمر معها على هذا الحال عدة سنوات حتى تيقن من تغير سلوكها تمامًا فأخبرها أن الأزمة التى عاشوها كانت مفتعلة بغرض تدريبها على الحياة السوية لتتمكن من بناء أسرتها بشكل سوى. 

كما تمثل نموذج الإدارة بالأزمة بشكل أكثر من رائع في فيلم الراحل أحمد زكى "الهروب"، حيث دار الفيلم بأكمله حول ضابط الشرطة الذي يستغل منصبه ومهاراته في استخدام وسائل الإعلام لتوظيفها في لفت نظر الرأي العام عن القضايا الرئيسية التي يصعب عليه مواجهتها من خلال أزمات مفتعلة، مثل منح "منتصر" فرصة الهروب من التخشيبة، ثم الترويج لذلك في وسائل الإعلام حتى يضحى منتصر حديث المدينة ويتم إسدال الستار على قضية أخرى كانت هي الحدث الرئيسي الذي يشغل الرأي العام.

مثال آخر، عندما يرغب أحد المسئولين في استبعاد أحد موظفيه من منصبه، فيبحث ويدبر ثم يلهمه شيطانه أن يفتعل أزمة لتحقيق غرضه، مثلًا قد يستوجب عمل الموظف "المغضوب عليه" أن يلتقي المسئول ويعرض مجريات العمل عليه أولًا بأول ويناقشه فيها، فنجد المسئول يفتعل أي موقف حتى لا يلتقي بالموظف لفترة غير قصيرة، مع متابعة العمل وإصدار التوجيهات من خلال طرف ثالث، ثم يقرر فجأة أمام الجميع وبمنتهى الثقة أن العمل يسير على خير وجه رغم عدم حضور هذا الموظف "اللعين" إليه ومناقشة العمل معه، وبالتالي فإن وجوده في منصبه يعتبر كعدمه، ويكون استبداله بآخر أمرًا عاديًا أمام الجميع.

رغم ذلك يجب التأكيد على أن هذا الأسلوب يعتبر سلاحًا ذا حدين، حيث ينبغي أن يكون الطرف المفتعل للأزمة على ثقة ويقين من قدرته على إدارة تلك الأزمة التي افتعلها وصنعها بنفسه، وأن تتوافر له الإمكانات والقدرات التي تخدم مصالحه وتساعده على تحقيق هدفه، ولا شك أن ذلك يتطلب بشكل بديهي ألا تكون الأزمة المفتعلة أزمة عشوائية لا حدود أو تخطيط لها، بل لابد وأن تكون قائمة على دراسة وخطة مسبقة، وعلم بنقاط القوة لدى الطرف الآخر وكيف يمكن أن يستخدمها لمواجهة تلك الأزمة المفتعلة، ومن باب أولى العلم بنقاط الضعف التي يمكن استخدامها كأوراق ضغط عليه، والمكان والزمان المناسبين لاستخدامها، أضف إلى ذلك القدرات والإمكانات التي قد لا تكون متاحة للطرف الآخر، ولكن يكون في إمكانه حشدها في وقت مناسب لمواجهة تلك الأزمة المفتعلة.

بدون ذلك يمكن أن تتحول الأزمة المفتعلة إلى أزمة مدمرة تلقي بها الأحداث في وجه الطرف الذي افتعلها ولم يخطط لها جيدًا، ومن ثم ينقلب السحر على الساحر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة