Close ad

الهجوم الأمريكي على العراق.. هل تسعى واشنطن لحرب عالمية؟

11-2-2024 | 10:11

رغم ما تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية من صراعات داخلية مكتومة تتعلق بالانتخابات المقبلة والرئيس الحالي والوضع الاقتصادي والموقف من الكيان المحتل وفلسطين، والتفكير في القوى التي تسعى بكل الفرص لسحب بساط الهيمنة العالمية من تحت قدمها، وموقف شعوب العالم المختلفة من سياساتها، يبدو أنها لا تزال تلعب بالنار وتجازف بوجودها وثقلها السياسي الذي يتهاوى، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي يرى المحللون أنه من قبيل المعجزة أنها نجت من اتساع نطاق الصراع فيها ليكون حربًا واسعة بالمفهوم الأوضح وفي صورة حرب عالمية ثالثة، إذن فالمجازفة لا تقتصر على هذه الصورة فحسب ولكن بالاتجاه إلى تحريك الراكد والمتحرك معًا صوب هذا المصير الذي يبدد كل مصالحها، ومن ثم يكون أول مسمارٍ حقيقي في نعش هيمنتها.

وكانت القوات الأمريكية قد نفذت عدة ضربات لفصائل عراقية مسلحة، بقصف خمسةٍ وثمانين هدفًا في مواقع الفصائل التي تراها موالية لإيران في سوريا والعراق، وأسفرت عن مقتل العشرات، إلى جانب اغتيال قياديين اثنين في حزب الله العراق؛ هما أبوبكر الساعدي وأركان العلياوي، وذلك بعد ثلاثة أيام من هجوم استهدفت فيه طائرة مسيرة مقرًا للحشد الشعبي قرب وزارة الداخلية العراقية، وأسفر عن مقتل قياديين في حركة النجباء هما "أبوتقوى وعلي أبوسجاد"، وجاءت الضربات الأمريكية التي وصفتها واشنطن بأنها مجرد بداية، ورد على استهداف قاعدة عسكرية أمريكية قرب الحدود العراقية الأردنية السورية، أسفر عن مقتل ثلاثة جنود، وإصابة نحو 40 آخرين، وحول أصداء هذه الضربات ترددت آراء عن التحركات المكثفة للإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط مؤخرا، ومنها ما ربط بمحاولات الرؤساء الأمريكيين منذ قيام  الكيان الإسرائيلي عام 1948 بالابتعاد عن السياسات التي قد تعرض وجود الكيان للخطر، وأنهم اعتمدوا في ذلك على فكرة أنه إذا باعدت أمريكا بينها وبين إسرائيل، فإن دول الجوار المحيطة بها ستقوم بمحوها من الوجود، وأنه رغم اتفاقيات السلام، فإن ذلك لا يعني زوال التهديد الوجودي عن إسرائيل، لأن هذا هدف أكبر بالنسبة لجماعات مثل حماس وحزب الله وأنصار الله الحوثيين وغيرها من الحركات، ومن هنا تثير الضربات التي وجهتها واشنطن تساؤلات حول ما ستؤدي إليه، وهل ستحقق أهدافها في ردع الفصائل المسلحة التي قالت إنها تستهدف القوات الأمريكية لدعمها المباشر لإسرائيل في عمليات الإبادة في غزة، خاصة أن القواعد العسكرية في العراق وسوريا توصف بغير الشرعية، وأنها قوات احتلال، وسبق للبرلمان العراقي أن دعا إلى إنهاء وجود القوات الأمريكية، وهذا المطلب جدده رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، بأن العراق يريد خروجا سريعا ومنظما للقوات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة من أراضيه، واصفًا وجود تلك القوات بأنه مزعزع للاستقرار في ظل التداعيات الإقليمية، كما طالبت الحكومة العراقية بذلك، وجرت مباحثات للاتفاق على جدول أعمال سحب القوات الأمريكية المقاتلة، لكنها ظلت تعمل إلى أمد غير منظور، الأمر الذي يعزز الدعوة إلى إخراج القوات الأمريكية عبر استهدافها عسكريا، وهو ما يتكرر في هجمات تطال قواعد عين الأسد والحرير والمطار وغيرها من قواعد صغيرة في العراق، وأخرى في سوريا، ولم تتوقف العمليات العسكرية للفصائل العراقية بعد استهدافها، واغتيال عدد من قادتها، بل خرجت بيانات ومظاهرات تتوعد بمزيد من التصعيد ضد الوجود العسكري الأمريكي، وقد أثارت الغارات الجوية الأمريكية غضبا واسع النطاق في الأوساط الرسمية بالعراق، إذ وصفها القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية بأنها خرق لسيادة بلاده واعتداء على المدنيين، كما أدانها الإطار التنسيقي، الذي شدد على ضرورة مواصلة الجهود الحكومية لإنهاء مهام التحالف الدولي، مع الولايات المتحدة بعد أن بات عامل تهديد للسلم العراقي، وقال القائد العام للقوات المسلحة العراقية يحيى رسول، إن الضربات الأمريكية تهدد السلم الأهلي في بلاده، وتخرق السيادة العراقية، وتستخف وتجازف بحياة المدنيين العراقيين، وأن الغارات الأمريكية المتكررة على الجماعات المسلحة في بلاده لا تكترث بحياة المدنيين وللقوانين الدولية.

وفي بيانه أكد رسول أن تمادي واشنطن والمسار الأمريكي سيدفع الحكومة العراقية لإنهاء مهمة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق، لأنه تحول إلى عامل عدم استقرار للدولة، لذلك تبدو هنا علامة استفهام كبيرة حول نتائج تلك الضربات المتبادلة، فالقوات الأمريكية لن تتوقف عن الرد، وتوعدت هي الأخرى بشن ضربات أشد، والغضب الشعبي يتزايد ضد الوجود الأمريكي، والحكومة العراقية تندد بالضربات الأمريكية، وتصفها بأنها اعتداء على السيادة العراقية، وتقدمت بشكوى إلى الأمم المتحدة، واستدعى العراق القائم بالأعمال الأمريكي لتسليمه مذكرة احتجاج بشأن الضربات، التي استهدفت مواقع للجيش وتسببت في مقتل 16 مدنيا وعسكريا، واعتبرتها بغداد انتهاكاً لسيادة البلاد، وزاد من حجم الغضب ما يحدث في غزة، وهناك ما يشبه الإجماع داخل العراق بين مختلف الأحزاب والمرجعيات على رفض الوجود الأمريكي، والدعوة إلى سرعة إنهائه، مما يضع القوات الأمريكية في مأزق، فإما أن تضاعف من وجودها، بما سيترتب عليه من ارتفاع في منسوب الغضب الرسمي والشعبي، لكنها مضطرة لحماية قواعدها الصغيرة، أو أن تضطر إلى الانسحاب من تلك القواعد، لتظهر وكأنها مهزومة مجددًا في العراق، بما سيعزز نفوذ خصومها، ويشجع على مواجهة القوات الأمريكية، والوقت يداهم صانع القرار الأمريكي، فكل هجمة جديدة على القواعد الأمريكية التي لا يبدو أنها ستتوقف، سيفرض ردًا أمريكيا قويا، أي مزيدًا من الاحتقان والاشتعال في منطقة فيها ما يكفي من عوامل التفجير.

فبعد هذا الدعم اللامحدود للكيان المحتل وتوسيع الإدارة الأمريكية ضرباتها على سوريا والعراق واليمن على خلفية استهداف فصائل لقواعدها العسكرية وسفنها المارة في البحر بسبب هذا الدعم واستمرار التصعيد في قطاع غزة، ومع غموض المباحثات من جهة الكيان وواشنطن مع دول عربية تسعى لإقامة دولة فلسطينية وإنهاء الحرب، هل تريد أمريكا إشعال حرب عالمية ثالثة تبدأ من المنطقة؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: