Close ad

بعد تحرير عكا.. كيف خطط المبشر الإسباني ريموند لل لعودة الحملات الصليبية إلى الشرق؟| صور

8-2-2024 | 17:45
بعد تحرير عكا كيف خطط المبشر الإسباني ريموند لل لعودة الحملات الصليبية إلى الشرق؟| صورالحروب الصليبية ـ تعبيرية

لطالما كان للحروب الصليبية دعاتها المعروفين منذ أن أطلق البابا أوربان الثاني صريخه في مجمع كليرمونت بفرنسا عام 1095م/488هـ لتوجيه الحملات الصليبية تجاه الشرق الإسلامي، لكن يبقى مشروع ريموند لل Raymond Lull بشأن الحملات الصليبية هو الأكثر وضوحا؛ باعتباره أحد أهم دعاة الحروب الصليبية في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي.

الدكتورة لبنى عبد العزيز عبد العظيم كشفت الكثير عن جوانب هذا المشروع الصليبي في كتابها القيم الذي صدر مؤخرًا عن دار تموز للنشر تحت عنوان "المبشر الأسباني ريموند لل ومحاولته إحياء الحروب الصليبية 1291ـ1315م/690ـ 715م).

بداية تقول الباحثة المتخصصة في فترة الحروب الصليبية، أن ريموند لل حلم بأن يضحي بحياته في سبيل استعادة مملكة بيت المقدس، وهو يدخل ضمن مشاريع الحروب الصليبية التى تمثل أولاً وقبل كل شئ أعمالاً شخصية،  فهى تعبر بشكل عام عن آراء سمحت لهم خبراتهم ومواقعهم بإعلام الغرب بحالة الشرق، ومن ثم فإن مهمة النقد سوف تقتصر على تقييم درجة أهمية وجهات النظر، ومدى إمكانية الثقة بهم، فلم يكن هناك بارقة أمل فى إعداد حملة صليبية جديدة؛ لذلك اكتفى الدعاة بوضع مشاريع لحملات صليبية أخرى فى فترات زمنية متباعدة.

وأضافت أنه من خلال رؤية ريموند لل لهذه الأحداث، رأى أنه لابد من استخدام سلاح آخر وهو سلاح التنصير، ومحاربة المسلمين اقتصاديًا؛ لأن الأوضاع التى بدت تحيط بمجتمع غرب أوروبا فى تلك الآونة لم تعد تسمح باستخدام القوة العسكرية مرة أخرى.

لقد بذل ريموند لل بذل كل ما بوسعه لإشعال نيران الحروب الصليبية ضد المسلمين، فقد سعي مراراً وتكراراً إلي باباوات وملوك أوروبا لإعداد حملة صليبية علي مصر، في الوقت الذي كان فيه الغرب الأوربي قد تغاضي عن فكرة استعادة الأرض المقدسة، وذلك بسبب الحروب والثورات الداخلية التي شهدها الغرب الأوربي آنذاك، إلي جانب ضعف الكنيسة الكاثوليكية، كما قل الحماس الديني والشعبي بعد أن فضل المقاتل الصليبي أن يعيش في سلام داخل وطنه ومع أفراد عائلته متجنبًا غمار الحرب التي قد تودي بحياته ولا يجني من المشاركة فيها أي مكاسب تُذكر.

وأشارت أن ريموند لل لم يكن قادرًا على الإنسلاخ كلياً عن الغرب الأوروبى، كما لم يكن قادراً على تجاهل الموقف شديد الحرج الذى عاشته دول الغرب الأوربى تجاه زحف الإسلام، وسوف نتناول مدى الصعوبات التى تخطاها  ريموند  لل لمحاولة تحقيق مشروع الجامعات التنصيرية التي لم تنجح وإعلاء الفكر الصليبيى، فقد انطلق بين الشرق والغرب قاطعاً أميالاًمن أجل تحقيق غايته ونشر الديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكى، فقد قضى ريموند لل ما يزيد عن نصف قرن من عمره فى دعوته من أجل الصليب، ولم يكتف بنشر المسيحية فى صفوف المسلمين، بل سعى لتحويل المسيحين الشرقيين الذين يعتنقون المسيحية على المذهب الأرثوذكسى إلى اعتناق المسيحية على المذهب الكاثوليكى، معتبراً أن معتنقى المسيحية على المذهب الأرثوذكسى أعداء للكنيسة الغربية وهراطقة يجب محاربتهم.

هذا ويعتبر موضوع المنصر الإسباني ريموند لل ومحاولاته إحياء الحروب الصليبية من الموضوعات المهمة؛ لكونه يدرس جانباً مهماً من الدعاية الصليبية خاصة أنها جاءت في فترة حرجه من تاريخ الغرب الأوربي والبابوية، وهذا ما تم الإشارة إليه في الفصل الثاني، ولذا يعتبر ريموند لل الداعية الصليبي الوحيد الذي سار في طريقين  هما طريق التنصير، وطريق استخدام سلاح القوة لاستعادة الأرض المقدسة، فقد كان يريد تحويل أيدلوجية الشرق بأكملها إلي الفكر الصليبي.

وتضيف المؤلفة أن أهمية الموضوع ترجع إلى أن المشرق الإسلامى يواجه مثله اليوم وهذا ما دعا المؤلفة إلى اختيار "المبشر ريموند لل ومحاولاته احياء الحروب الصليبية" كموضوع الدراسةـ كما أن مشروع ريموند لل مختلف عن مشاريع الدعاة السابقين، ولم يُصدر كتاب باللغة العربية يتحدث عن هذا الموضوع.

لقد حرصت المؤلفة على التسلسل المنطقى في سرد الأحداث حتي يحقق إنسيابية الأفكار، وبذلك عندما تناولت مشروع الدراسة كانت حريصة علي أن تتناول فى البداية أحوال غرب أوروبا أواخر القرن الثالث عشر الميلادى وأوائل القرن الرابع عشر الميلادى ثم تناولت بدايات تحضير ريموند لل للمشروع الأستيطانى وقد تجلي ذلك من خلال تناول رحلاته، ثم الأنتقال إلي المرحلة الثانية وهي مرحلة التمهيد الفعلي والعملي للمشروع وقد تجلي ذلك من خلال مجموعة لقاءات مع البابوات وملوك أوروبا وحضوره المجامع والمؤتمرات، ثم أخيراً جاءت ذروة تسلسل حيوية مشروع ريموند لل من خلال نص المشروع الأصلي الأستيطاني لريموند لل وما تضمنه من تفصيلات وتحركات، وهذه التقصيلات جاءت نتيجة البنيان الفكري لمشروع ريموند لل منذ بدايات التحضير وحتي نص المشروع.

ولتفصيل ذلك قسمت المؤلفة هذا الكتاب إلي أربعة فصول تسبقها مقدمة  تشمل أهمية الموضوع وأسباب اختياره ودراسة تحليلية نقدية للمصادر، ويلي فصول الكتاب خاتمة تحمل نتائج الدراسة، ثم الملاحق التي مازالت بلغتها الأصلية، ولم تنشر بلغات حديثة وقد قمت بنقلها للمرة الأولى إلى اللغة العربية، وهي تلقي الضوء على القضايا التي تمت مناقشتها خلال البحث ثم قائمة المصادر والمراجع، إضافة الي العديد من الخرائط التوضيحية والرسوم التي حرصت المؤلفة علي وضعها في أماكنها المناسبة.

وقد تناول الفصل الأول "أحوال الغرب الأوروبي أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي، متمثلاً فى  أثر سقوط عكا 1291م /691هـ على الغرب الأوروبي بالإضافة إلي دور البابوية فى إحياء فكرة الحروب الصليبية في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي/ السابع الهجري والمشاكل التي واجهت البابوية والدعاة، كما تم الإشارة إلي بداية البعثات التنصيرية.

وتناول الفصل الثاني الذي يحمل عنوان "ريموند لل وبدايات التحضير للمشروع الأستيطانى" نشأة ريموند لل وتكريس حياته للتنصير بالمسيحية علي المذهب الكاثوليكي، كما تحدثنا عن إقباله علي تعلم العقيدة الإسلامية واللغة العربية، لكي تكون وسيلة لإقناع المسلمين بالديانة المسيحية، فريموند لل كان يريد أن يحول الشرق كله إلي مستعمرة مسيحية، ومن ثم فقد قام بتشييد كلية ميرامار 1276م بميورقة لتدريس اللغة العربية وإعداد مبشرين إعداداً صحيحاً بإنشاء مدارس خاصة لهذا الغرض، كما  تناول هذا الفصل إيضاً توجه ريموند لل سنة 1287م إلي روما للقاء البابا هونوريوس الرابعHenorious IV (1184 – 1227م) وإقامته في فرنسا بين عامي 1287/ 1289م بين الإخفاق والنجاح .

كما تم الإشارة إلي رحلة ريموند لل التنصيرية الأولي إلي تونس من أواخر 1291م/691هـ إلي أواخر 1292/692هـ، ورحلته الثانية إلي تونس 1306-1307م/706-707هـ،مع توضيح النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة، وفي نهاية الفصل تحدثنا عن أراء كتاب السيرة الذاتية في ريموند لل.

أما الفصل الثالث وعنوانه "تحركات ريموند لل ومرحلة التمهيد الفعلى لتقديم مشروعة الأستيطانى" وتناول هذا الفصل عن أهم المشروعات الصليبية التي تقدم بها ريموند لل إلي البابوية من أجل استرداد الأرض المقدسة ومدي الجهود التي بذلها ريموند لل مع الباباوات أمثال نيقولا الرابعNicholaiv وسلستين الخامسCelestinev  1294م وبونيفاس الثامن Boniface IIIV (1294- 1303م) بندكت الحادي عشرBendecit XI (1303- 1304م) وكليمنت الخامس  Celement V(1305-1314م)، كما يتناول هذا الفصل  أيضاً توجه ريموند لل سنة 1300م /700هـ إلي ملك قبرص لمساعدته في مهمته القائمة أيضاً علي كثلكة اليعاقبة والنساطرة والمسلمين، وعلاقة ريموند لل بالملك فيليب الرابع ملك فرنسا مع التركيز علي المساعي التي بذلها ريموند لل مع الملك فيليب الرابع لإحياء الحروب الصليبية. وفي النهاية تناول الفصل مسألة  حضور ريموند لل المجمع الديني في فيينا في أكتوبر 1311م /711هـ واستعراض حملته الصليبية علي الحضور، ومن ثم وافق مجمع فيينا علي تدريس اللغة العربية والعبرية واليونانية في خمس جامعات أوربية كبري. كما تناولنا انعكاسات مؤتمر فيينا علي مخططات ريموند لل.

وقد جاء الفصل الرابع بعنوان "المشروع الاستيطاني لريموند لل" وقد تناولت المؤلفة فيه الإطار العام لمشروع ريموند لل، وكان ريموند لل  يرى أن مصر هي نقطة ارتكاز ومركز العالم الإسلامي بأسره، ومن هنا كان الإعداد التنظيم لحملة صليبية علي شمال إفريقيا، وقبلها شن هجوم ممنهج علي أملاك المسلمين في إسبانيا جعل من ريموند لل الداعي الأول لهذه الحملة.

كما استعرضنا دور البحرية في الحملة الصليبية لخدمة الحملة، وإطلاق فكرة الحرب التجارية ضد بلاد المسلمين، كما أشرنا لبعض الملاحظات المتعلقة بالقوة البحرية للعرب التي تعود إلى عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان (661-680 هـ)، تلك الملاحظات التي تساعدنا علي فهم كيفية إدراك اتجاه ريموند لل وغيره من واضعي نظريات للحملة الصليبية البحرية، هذا بالإضافة إلي القوات المشاركة في الحملة، وكيفية تنظيم الحملات الصليبية وقيادتها تحت اسم الملك المحارب وتوفير النظام والطاعة والعدل في المعسكر الصليبي،كما تناول هذا الفصل أيضاً  مصادر تمويل الحملة والجهود التي بذلها ريموند لل في سبيل تحقيق ما خطط له.

أما بالنسبة للخاتمة فقد تضمنت النتائج الإيجابية والسلبية التى توصلت إليها المؤلفة، كما تضمنت مقارنة تحليلية لمشروع ريموند لل بالمشروعات السابقة ثم المشروعات اللاحقة، وقد خلصت المؤلفة إلى أن ريموند لل قد استكمل من المشروعات السابقة عليه بعض ما قد يجعل مشروعه متكاملاً إلى حد كبير من وجهه نظرة.

وخلصت المؤلفة أيضاً إلى ارتباط الفكرة الصليبية بمشروع ريموند لل فيما بعد وحتى مدخل التاريخ الحديث، ويتجلى هذا فى حركة الكشوف الجغرافية التى تعتبرها النهضة الأوروبية، استمراراً لأخذ صور الصراع الصليبى الذى بدأت أشكاله مع نهايات القرن الحادى عشر، كما ذيلت الكتاب بعدد من المناطق والبلدان والمواقع التي ورد ذكرها في سياق الكتاب.


كتاب المبشر الأسباني ريموند لل ومحاولته إحياء الحروب الصليبية كتاب المبشر الأسباني ريموند لل ومحاولته إحياء الحروب الصليبية
كلمات البحث
الأكثر قراءة