Close ad

المزاج المصري.. وجينات الهوية المصرية

8-2-2024 | 13:19

تعالوا بنا نبتعد بالحديث عن السياسة وألاعيب السياسة والسياسيين؛ لنتحدث عن المزاج المصري الفريد وامتزاجه الروحي والنفسي والجسدي مع قهوة الصباح والمساء!

وأعود لأسأل نفسي: وهل الحديث عن المزاج المصري يبتعد كثيرًا عن السياسة وأهلها؟ بالطبع لا؛ لأن فنجان القهوة ــ وبخاصة المصنوع على السبرتاية ــ مع سطور جريدة الصباح؛ هو أحد طقوس المصريين في متابعة السياسة وأحوالها وتقلباتها مذ ظهرت الصحف؛ وركب الصحفيون عربة قطار السياسة؛ ابتداء من متابعة سعر رغيف الخبز.. وصولاً إلى رأيهم في مسألة تغيير وزير.. أو الوزارة بأكملها؛ و.. وكفى !

ولكن ما يلفت نظري في تلك الطقوس الممتدة عبر التاريخ.. ابتداء من قهوة الفرعون المصري القديم الممزوجة بحبيبات "الهيل".. حتى آخر فنجان قهوة ــ على الراكية ــ لفلاح مصري على مصطبة طينية في آخر نجع في الريف المصري العتيق! هو إننا نجده يدلي بالرأي في أحداث السياسة على صعيد الوطن ــ والأوطان المجاورة ــ وغالبا يُصر أن رأيه قريبٌ من الصواب؛ أو هو الصواب بعينه؛ ولكن من ذا الذي يستطيع أن يضع الجرس في رقبة القط؟؛ فيكتفي برشف فنجانه ــ من البن اليمني أو البرازيلي أو الكولومبي ــ مع أنفاس سيجارته الملفوفة لاعتقاده الدائم بحسب المثل المصري بأن:
" قهوَةٌ بلا سيجَارة .. كبردَعَةٍ بلا حِمَـارة"!

والغريب .. أن طقوس المصريين؛ لم تقتصر على قهوة الصباح فقط؛ بل صارت تُقدَّم في سرادقات العزاء؛ وكأنها "تنفيث أو تنفيس" عن حال أهل المتوفَّى؛ أو حال القادمين لتقديم واجب العزاء؛ واحتسائها مع ثرثرتهم عن الفقيد ــ الله يرحمه ــ وحسناته وسيئاته التي ارتكبها في دنياه قبل الرحيل؛ ولا مانع من العروج على حال السياسة والسياسيين استكمالاً لتلك الثرثرة؛ وساعتها.. لا بأس من تناول فنجان جديد.. ليمتد حديث الصباح والمساء .. والسهرة!

ترى. ما السر في هذا المسحوق العجيب؛ ولماذا ارتبط المصريون بتناوله منذ القدم؛ حتى بات من الضروريات العصرية؛ ونجد أن البعض لا يعجبه الشباب الذين يتعاملون مع مشروب "النسكافيه" و"الكابيتشينو"؛ على اعتبار أنهما من علامات ومؤشرات عدم النضوج العقلي والفكري.. والسياسي!

هذا هو مزاج المجتمع المصري بكل طبقاته؛ وبخاصة الطبقة الدنيا؛ فأهل هذه الطبقة يعرفون بالفطرة أن "السياسة لغة الفقير".. كما قال الدَّاهية العجوز تشرشل.. رئيس وزراء إنجلترا في عهد الاحتلال! ولا بأس من حديثهم المستفيض عن السياسة وأحوالها؛ وآخر مؤشرات الرسم البياني للأسعار ارتفاعًا وارتفاعًا ــ فلا حديث عن كلمة "انخفاضًا" أبدًا؛ وهكذا يُدلي بفلسفته بواسطة "التلميح" دون "التجريح"؛ ولكنه يستخدم الذكاء الفطري بمزاجه المصري العبقري الخاص؛ برغم انتقاده اللاذع لكل مجالات الحياة؛ مع استخدامه لسلاح "النكتة" التي تغني عن قراءة عشرات الصحف والمجلات والمقالات الصحفية؛ مع الاستعانة بفنجان القهوة لتحسين المزاج المصري الراصد الدائم لحركة الحياة من حوله؛ ويُسهم برأيه العفوي الشائع في غرفة صناعة القرار السياسي؛ لأنه يؤمن أشد الإيمان بأن الشعوب؛ هي صانعة القرار خلف قيادتها الوطنية المستنيرة.

وتلعب "القهوة دورًا رئيسًا في عالم العشاق من الشعراء؛ فيتخذون من التغني بالقهوة شعرًا؛  متكأً للوصول إلى قلب الحبيبة؛ فالشاعر/نزار قباني يقول  في ذات قصيدة:
"يثبُ الفنجان من لهفته في يدي.. شوقًا إلى فنجانها"!
وفي قصيدة أخرى يقول: "اشربي القهوة ياسيدتي.. فالجميلات قضاءٌ وقَدَر..
  والعيون الخُضر والسود.. قضاءُ وقدر!
 
والشاعر/محمود درويش.. يقول:
  "لا أريد غير رائحة القهوة.. لا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة..
رائحة القهوة لأتماسك.. لأقف على قدمي"!
و"القهوة لا تُشرب على عجل.. القهوة أخت الوقت.. تُحتسى على مهل.. القهوة صوت المذاق..
صوت الرائحة.. القهوة تأمل وتغلغُل في النفس.. وفي الذاكرة"!

ياالله.. هل ابتعدت بكم عن عالم السياسة؟

أبدًا.. لم أبتعد قيد أنملة.. فتلك الكلمات االفارقة المضيئة.. هي أيضًا نوع فريد من أنواع "السياسة" في عالم الحب الإنساني النبيل؛ للوصول إلى قلب وروح الحبيب او الحبيبة؛ فالشاعر نتاج إنسانيته وبيئته ومناخه السياسي؛ ويقوم بالتعبير السلمي عن آرائه فيما يجري حوله من أحداث داخل الوطن.  
 
ودائمًا.. يكون المزاج المصري كالراية التي ترفرف حاملة "جينات الهويَّة المصرية الأصيلة" والمعجونة بطمي النيل العظيم!

* أستاذ العلوم اللغوية والتأليف والكتابة الإبداعية بأكاديمية الفنون
ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق وعضو اتحاد كتاب مصر

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: