Close ad

قدمت أفلاما شعارها «النضال والمقاومة».. السينما الفلسطينية فى المهرجانـات الدولية

7-2-2024 | 02:43
قدمت أفلاما شعارها ;النضال والمقاومة; السينما الفلسطينية فى المهرجانـات الدولية السينما الفلسطينية
أحمد سعد الدين
الأهرام العربي نقلاً عن

خلال العقود الثلاثة الماضية، ظهر جيل جديد من المخرجين الفلسطينيين، استطاع أن يخرج من نمط الأعمال المباشرة التى تمجد القضية الفلسطينية وتركز فى المقاومة والنضال فقط، وإنما قدم أعمالاً اجتماعية تناقش معاناة الإنسان الفلسطينى بشكل غير مباشر، نتيجة للاحتلال الإسرائيلى الذى يمارس شتى أنواع القهر، هذه الأعمال شاركت فى عدد من المهرجانات الكبرى، ونال بعضها جوائز وشهادات تقدير، وأصبح رواد السينما العالمية يعرفون أسماء مثل إيليا سليمان، وميشيل خليفى وهانى أبو أسعد، ورشيد مشهراوى، ونجوى نجار وأمين نايفة وغيرهم، هؤلاء المخرجون سوف نعرض بعض أفلامهم التى حققت جوائز دولية فى التقرير التالى.

موضوعات مقترحة

منذ عامين، عرض مهرجان الجونة السينمائى فيلماً فلسطينياً بعنوان «200 متر»، ونال الفيلم إشادات كثيرة من جمهور المهرجان، حتى إن التصفيق لمخرج الفيلم أمين نايفة فى حفل الختام ظل لأكثر من خمس دقائق متواصلا أثناء تسلمه الجائزة، وقد شارك الفيلم فى مهرجانات عديدة أخرى ونال العديد من الجوائز والإشادات مثل كاميرا إيماج، ومهرجان سالونيك اليونانى وأجيال وغيرها.
ويناقش الفيلم حياة المواطن الفلسطينى «مصطفى»، الذى يرفض الخضوع لإملاءات الاحتلال الإسرائيلى بإصدار «الهوية الزرقاء»، التى تخوله دخول الأرض المحتلة عام 48، بينما يتمسك بهويته الفلسطينية الخضراء، لكن هذا الموقف رغماً عنه جعله بعيداً عن عائلته، إذ يضطر للسفر ساعات طويلة، عن طريق التهريب للقاء عائلته فى أراضى «الـ48»، فى حين تكمن المفارقة، فى أن بيته لا يبعد سوى مائة متر من الجدار العازل الذى أقامه الكيان الصهيونى.
الفيلم يقدم شخصية الأب المنكسر الذى يحب أبناءه، لكنه لا يستطيع أن يأخذهم فى أحضانه بسبب رفضه الانصياع لقرارات المحتل الغاشم، لذلك يضىء الأنوار ليلاً فى شرفة منزله، وفى نفس اللحظة نفسها تفعل عائلته الشىء نفسه على الجانب الآخر، وهم يتحدثون ويسمعون أصوات بعضهم عبر الهاتف، وكأن هذا النور هو ما يربط الأسرة بالحياة مع بعضها، ويجعل الإنسان الفلسطينى متمسكا بالأمل برغم سوداوية الحياة التى صنعها جنون الاحتلال. 
وفى نفس الوقت، استطاع السيناريو أن يقدم جزءا من الحياة اليومية للشعب الفلسطينى تحت وطأة الاحتلال، والصعوبات التى يتكبدها جراء التعامل مع الحواجز المصطنعة والتى تجعله شخصية عصبية المزاج، فى نفس الوقت تطرق السيناريو لدور المرأة الفلسطينية، فى الحفاظ على الأبناء وتربيتهم، ومساعدة الأسرة فى ظل التعنت الإسرائيلى ضدهم.
لكن السيناريو تطرق لجزئية غاية فى الأهمية، أثناء بحث الأب عن وسيلة لزيارة أسرته، حيث تطلب ذلك عبور الجدار بشكل غير قانونى حيث أظهر الفيلم أن هناك بعض الفئات، التى تعمل بالتهريب واستغلال البشر سواء من الإسرائيليين، أو حتى من الفلسطينيين، وهو ما يعنى أن المجتمع الصهيونى ليس بالمجتمع المتماسك كما يظن البعض، إنما يضم كل الأنماط  المختلفة ووسائل الاستغلال.
الجنة الآن 
فى عام 2005 قدم المخرج الفلسطينى هانى أبو أسعد، فيلم بعنوان «الجنة الآن»، الذى شارك فى العديد من المهرجانات الدولية، ومنها مهرجان برلين السينمائى، الذى حصل خلاله على ثلاث جوائز، كذلك مهرجان القاهرة السينمائى، كما حصل أيضاً على جائزة أفضل سيناريو فى مهرجان الفيلم الأوروبى، وتوج فى نفس العام بجائزة الكرة الذهبية كأفضل فيلم أجنبى من الجولدن جلوب، وهو ما يعد اعترافا بأن الفيلم تم تقديره من أكثر من 90 ناقداً على مستوى العالم، وتم عرض الفيلم فى أكثر من 45 دولة.
الفيلم يحكى قصة شابين فلسطينيين يعملان ميكانيكيين فى ورشة تصليح سيارات على تلة تطل على مدينة نابلس، انقطع بهما الأمل فى الحياة فعزما على تنفيذ عملية استشهادية فى داخل تل أبيب،حاول السيناريو الإجابة عن سؤال مهم يتمثل فى البحث عن أسباب إقدام بعض شباب فلسطين على القيام بمثل هذه العمليات. 
حاول الفيلم أن يجعل العالم يتفهم العوامل، والظروف التى تجعل إنسانا عاديا، يقرر الإقدام على القيام بعملية انتحارية من خلال التركيز على الصراع النفسى الذى تعيشه الشخصيتان «الرئيستان»، اللتان تعيشان حياة قاسية، دون أن تلوح فى الأفق أى فسحة أمل، يتطوع الصديقان للقيام بعملية استشهادية، لكن تغييرات حدثت فى اللحظة الأخيرة تؤدى إلى انفصال الصديقين، ويبدأ أحدهما بالتساؤل عما إذا كانت العملية الاستشهادية غرضا ساميا.
هذه اللمسة الإنسانية الذى أضافها المخرج على الإنسان، الذى يقرر القيام بعمل كهذا أزعجت الإسرائيليين بشكل غير مسبوق، حتى أن الصحف الإسرائيلية كتبت كثيراً عن هذه النقطة.
وقد أكد المخرج وقتها أن الفيلم يعد «اعترافا بحق الفلسطينيين فى الحرية والمساواة دون شروط»، وتبرز على خلفية الحبكة المأساوية التى تطغى على الفيلم لحظات من الكوميديا السوداوية، وذلك فى عدة مواقف منها عندما أضطر أحد الشابين، إلى إعادة قراءة رسالة الوداع الطويلة التى كتبها لعائلته، عندما تعطلت كاميرا الفيديو التى استخدمت لتصويره، ويخلص الفيلم فى النهاية إلى نتيجة مفادها أن الدافع الدينى ليس الدافع الوحيد للأشخاص الذين يتطوعون للقيام بعمليات انتحارية، بل إن الإحباط واليأس فى مواجهة الصعوبات الحياتية، وأسباب اجتماعية أخرى هى أيضا أسباب أخرى، قد تجبر البعض على الإقدام على القيام بعمليات انتحارية.

يد إلهية
يمتاز المخرج الفلسطينى إيليا سليمان، بحبه للفلسفة وتعمقه فيها ما انعكس ذلك على كل أعماله السينمائية، حيث تصبح سيناريوهات أفلامه بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل عمقاً فى طرح الأفكار، وتجعل الُمشاهد يفكر فى العمل حتى بعد خروجه من صالة العرض، لذلك تجد لأعماله أصداء كبيرة عند طرحها خاصة فى المهرجانات الدولية،  وقد قدم إيليا عام 2002 تحفته السينمائية «يد إلهية»، من تأليفه وإخراجه وشارك أيضاً بالتمثيل فيها، وحصل الفيلم على شهادة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان «كان» السينمائى.
وقد أثار الفيلم جدلاً فى هوليوود، بشأن ترشيحه للأوسكار أحسن فيلم غير ناطق باللغة الإنجليزية، لكن الأكاديمية رفضت فى ذلك الوقت بسبب أن فلسطين ليست دولة ذات سيادة، وليس من حقها المشاركة فى الأوسكار.
كما فاز الفيلم فى نفس السنة بجائزة «سكرين»، العالمية فى مهرجان السينما الأوروبية لفيلم غير أوروبى.
يأخذنا إيليا سليمان، على مدار ساعة ونصف الساعة، فى عالم أشبه بالسريالى، حيث الكاميرا اللاهثة التى تجرى وراء شخصية بابا نويل المطعون فى صدره داخل بلدة الناصرة، وبرغم ذلك يحمل صندوق هدايا وهو يصعد الجبل، وكأنه يرمز من خلال تلك اللقطات إلى المعاناة التى يعيشها أهل الناصرة التى تبدو حزينة، وكأنها تبكى من القتل والدمار الذى يمارس ضد أبنائها، ثم تنتقل بنا الكاميرا إلى قصة حب بين شاب فلسطينى من سكان الأرض المحتلة عام 1948، وفتاة فلسطينية من سكان الضفة الغربية المحتلة، يلتقيان فى سيارة على حاجز إسرائيلى، ويراقبان الوجع المتناثر والمعاناة، على حواجز الاحتلال الإسرائيلية، يلتقيان وتتشابك أيديهما فى علاقة حسية حميمية، تتناقض هذه المشاهد الودية بين الحبيبين مع مشاهد الألم، التى تحدث على الحاجز حين يشاهدان مشاهد إذلال وعنف للركاب الفلسطينيين، الذين يرغبون بزيارة مدينة القدس، ثم يجنح سيناريو الفيلم إلى الحياة إلى العلاقات الاجتماعية المشوهة، التى تشوبها أمراض اجتماعية يعانى منها المجتمع الفلسطينى، ولا يزال يعانى كقيم الأنانية، والانعزالية والفضولية والنفعية والكره والنفاق والعنصرية، نجد فى هذه المشاهد نقداً وجلداً للذات الفلسطينية والعادات والتقاليد الاجتماعية الدميمة، والثقافة السلبية السائدة فى صميم هذا المجتمع، الذى يعانى الأمرين من ظلم الاحتلال وظلم المجتمع لنفسه.
وفى رمزية مهمة داخل تفصيلات الفيلم، قدم المخرج والمؤلف مشهداً تقف فيه إحدى السائحات الأجنبيات، التى تسأل شرطيا إسرائيليا داخل القدس عن بعض الأماكن المقدسة والأثرية، فيعجز عن مساعدتها، وعندما تنظر له نظرة تساؤل، يحضر شاب فلسطينى مقبوض عليه معصوب العينين، ليشرح لها الطريق إلى الأماكن التى تريدها بدقة كبيرة، فى دلالة رمزية بأن الفلسطينى المعذب والأسير هو صاحب الأرض الأصلى، الذى يعرفها عن ظهر قلب، وأن المحتل الذى اغتصب الأرض الذى يمتلك القوة لا يعرف عن تلك الأرض شيئاً.

إن شئت كما فى السماء
فى عام 2019، قدم إيليا سليمان، فيلمه الجديد بعنوان «إن شئت كما فى السماء»، الذى شارك فى مهرجانات دولية كثيرة مثل مهرجان «كان»، والذى نال عنه جائزة النقاد، وكذلك تنويه خاص من لجنة التحكيم، وكذلك عرض فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، كما عرض فى العديد من الدول والمهرجانات الدولية.
وفى هذا الفيلم يصحبنا إيليا سليمان، من خلال رؤيته الذاتية عن طريق سرد غير تقليدى لرؤيته للعالم، وتعامل شركات الإنتاج معه حين يعرض عليهم سيناريو فيلم فلسطينى للحصول على تمويل، تلك النظرة الُمختلفة عن فلسطين لا تُعجب شركات الإنتاج، التى تفضل نوعية الأفلام عن المقاومة والمستوطنات والاحتلال الإسرائيلى بشكله الواضح، لكن فى هذا الفيلم فلسطين حاضرة بطريقة مُغايرة، يسير البطل مُتنقلًا فى شوارع مدينة الناصرة التى ينتمى إليها، يرى أهلها وتعامل الشرطة العنيف معهم، ثُم يسافر إلى باريس، وهناك يرى عالمًا عنيفا أيضًا، ففى أحد المشاهد نرى امرأة بجناحين أبيضين، ومرسوم على جسدها علم فلسطين، كما رأينا لافتات مكتوباً عليها  «الحرية لفلسطين»، لكن الشرطة الفرنسية تجرى، وراءها للقبض عليها لكنها تتمكن من الهرب منهم.
لم يرض إيليا سليمان، أن ينتهى الفيلم دون أن يتكلم ولو كلمة واحدة، لذلك عبر عن رأيه بكلمة «أنا من الناصرة فى فلسطين»، تلك كانت الجُملة الوحيدة التى نطق بها، كأنه يريد التأكيد على هويته مهما سافر خارج الوطن، قالها البطل عندما وصل إلى نيويورك سائق تاكسى أمريكى، حينما أدرك فلسطينيته عامله كأنه أسطورة، حتى أنه اتصل بزوجته يُخبرها بأنه قابل فلسطينيًا، فقد استطاع المخرج أن يظهر رؤيته للعالم من حوله ونظرتهم للإنسان الفلسطينى، الذى يلاقى صعوبات كثيرة فى كل أقطار الأرض، لكنه سينتصر فى النهاية لكن ليس الآن.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: