Close ad

السمان والخريف وساعات السفر

6-2-2024 | 15:16
الأهرام المسائي نقلاً عن

كان قد مضى على آخر لقاء بيننا عدة أشهر، فعقدنا العزم على أن نلتقى في العطلة الأسبوعية، ومن باب التغيير، ولأن اثنين من الأصدقاء يقيمان بالإسكندرية، قررنا ثلاثتنا المقيمين بالقاهرة استئجار سيارة وزيارتهما، إلى جانب التمتع بأجواء الخريف في عروس المتوسط.

على الجانب الشخصي، ترتبط زياراتي للإسكندرية في هذا التوقيت من العام، باسترجاع أحداث رواية نجيب محفوظ، "السمان والخريف"، فعيسى الدباغ الذي كان ذات يوم أحد رموز حزب الوفد الحاكم، والمرشح لتولي منصب وزاري، انقلبت الدنيا من حوله وتبدل حاله!!.

تسلمنا السيارة ومضينا في طريقنا. لشوارع القاهرة قبل صلاة الجمعة بهجة لا تتكرر؛ إذ لا زحام ولا ضوضاء، وإن سولت الشوارع الخالية لقلة زائغة الانطلاق بأقصى سرعة، وأغرت آخرين بالسير في الاتجاه المعاكس بحجة اختصار الطريق، غير مكترثين بقواعد الأمان ولا الكاميرات المبثوثة في الإشارات لتسجيل تجاوزات المخالفين.

وعليه، لم نكد نتجاوز دوار الميدان حتى واجهتنا سيارة، ولولا هدوء صاحبي وقيادته المتزنة لوقع صدام، لا يعلم توابعه سوى الله. ومع هذا ورغم خطئه البين، شوح قائد السيارة الأخرى بذراعه محتجًا.

هدأت من روع صديقي، وربتُ على كتفه لإنهاء الموقف حاثًا إياه على استكمال سيره، فهز رأسه مستسلمًا مستغفرًا ومضى في سبيله.

رغم مضي أكثر من ساعة، بدا أن الموقف ما زال يشغل ذهن صاحبي؛ فمن حين لآخر يستدعي تفاصيله وينطلق يتخيل ما قد يحدث لو وقع الاصطدام، مختتمًا سيل انفعالاته بسب السائق الآخر، حتى إنه لم ينتبه أننا نسير في الطريق الخطأ، بعد ما فوت الـمَخرَجَ الصحيح.

انتهزتُ فرصة توقفنا للاستراحة وتناول القهوة، واقترحت تولى صديقنا المرافق القيادة، فالطريق طويل ويحتاج تركيز، فرفض وراح يلتمس لنفسه مبررات طَعَمَها بقصص عن مواقف سابقة تجاوزها بسلام.

كان واضحًا أنه في مِزاج لا يسمح له بالتركيز في القيادة، وأن الأفضل لسلامته وسلامتنا جميعًا أن يتولى صديقنا الآخر زمام الأمور.

وأمام إصراره على استكمال القيادة، تدخل صديقنا بكياسة وذكره أننا أسوة بتقاسمنا تكلفة استئجار السيارة، فمن حقنا أيضًا تقاسم قيادتها، مستثنيًا إياي كوني لا أحمل رخصة قيادة، فضلاً عن أن ذلك المنهج يعكس مسئوليتنا المشتركة عن سلامة السيارة.

تذمر صاحبنا، ورد أنه وباستثناء المسافة التي قطعها على الطريق الخطأ، فقد حافظ على السيارة وتلافي اصطدام كاد يؤدى إلى ما لا يُحمد عقباه.

بنفس الهدوء، عقب مرافقنا أن تقييم قيادته للسيارة يجب أن يشمل كافة المتغيرات؛ إذ لا معنى للحفاظ على السيارة ما دمنا على الطريق الخطأ، والعكس صحيح، إذ إن السير على الطريق الصحيح لا يعطي المبرر للسائق للتفريط في سيارته، التي لن تصل للهدف في الحالتين.

ثم أردف مؤكدًا، بأن نجاح سائق في القيادة لمسافة ما، لا يعني قدرته القيادة طول الطريق، خاصة إذا تضمن المسار مدقات ترابية أو حصوية أو طرق جبلية، أو السير على طريق لا يعرفه.

ارتفعت وتيرة اللجاج وخيمت على الرحلة كآبة أثقلها طول المسافة الخطأ وانقطاع شبكة الهاتف مما تعذر معه تشغيل برنامج الخرائط  ومضينا نتلمس الاتجاه الصحيح، فيما سحبني موج الأفكار لتشابه الوقائع مع تجارب حياتية وإدارية، بل وسياسية أيضًا.

عندها أرحت رأسي على مسند المقعد، معاودًا استرجاع أحداث رواية "السمان والخريف" وتَبَدُل حال عيسى الدباغ بعد حريق القاهرة في يناير 1952، وتقديم النحاس باشا استقالة الحكومة، ثم قيام الثورة ليقرر ترك القاهرة والإقامة في الإسكندرية.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: