Close ad

الكلمة الواحدة والثلاثون

5-2-2024 | 12:11

إن المسئولية لتحرم المرء من أشياء كثيرة، ربما تحرمه من أهم ما في حياته، بل حتى من حياته، وهو ما يجعلني أفكر في الذين حصلوا على كل شيء في حياتهم، ونالوا كل ما تمنوا في أعمارهم، لابد أنهم كانوا خالين من المسئولية، لابد أنهم كانوا وهم يحصلون على الأشياء، يتخلون عن الذين كانوا يطلبون عندهم القليل من الأمان والفرح.. 

لابد أن هناك أسبابًا رائعة للعجز، ودوافع شريفة لليأس، وفي بعض جوانب الهزيمة وحوافها، يقيم أبطال مختلفون، لم تكن تعنيهم البطولة، وقتها عرفت أن الصحراء هي المكان الحقيقي لحياتي لا وحدتي، عرفت أنه عليٓ أن أقصدها دائما، كلما وجدت الفرصة سانحة لذلك، وعلى أن أسير في كل ما أستطيع من دروب، وألتقي كل ما أقدر من الجبال..

هكذا وصف الروائي أحمد خالد حالة بطل روايته الأخيرة "الكلمة الواحدة والثلاثون"، وتعد الرواية أطروحة أدبية متفردة، فلم تكن مجموعة من الشخصيات التى تتنافس على دور البطولة، ولم تكن بطولة فردية لبطل أوحد أو جماعية تتمركز حول العلاقات الإنسانية المتشابكة، كما اعتدنا في الأعمال الأدبية، بل أبطال الرواية هذه المرة ذاتهم عناصر التكوين الدرامي، من صحراء وواحات وجبال وخيمة وسط كل هذا.

وقدم المؤلف بطل روايته على أنه الراوي الذي كان شاهد عيان، دون أن يحدد اسما بعينه، مع ملاحظة أن الراوي بمفهوم البناء السردي ليس بالضرورة أن يكون المؤلف، وهو ما يزيد معدلات الإثارة لدى القارئ، فتحديد هوية البطل تحدد بالتبعية خيال المتلقي؛ لأنه يتتبع شخصًا ما، بينما طريقة الراوى تجعل القارئ محل البطل، وكأنه من يتعايش مع عناصر البناء الدرامي وهو الأكثر متعة، ويمكن أن تثير الفضول لربما تكون سيرة ذاتية من الحياة الواقعية.

خرج بطل الرواية من مدينته مكتظا بكل ما تيسر من الإحباط والخذلان والأسى داخل قفصه الصدري، وقصد مكانا بعيدا عن البشر ليختلي بنفسه عله يربت عليها ويخفف عنها لإنقاذها قبل أن تسقط في اكتئاب عميق، نتاجا لأحداث  ثقيلة لم يطرحها المؤلف، وذهب إلى الواحات ونصب خيمته ليحتمى بها من الآخر أيا من يكون وكأنها صوبة يمكنها الحفاظ على ما تبقى منه صالحا للاستهلاك الآدمي.

واللافت أن رؤيته للجبال جاءت مثيرة، فلم تكن مجرد صخور أو رمال أو أشكال مخروطية الشكل تنتصب على سطح الكوكب بشموخ، ولكنه رأى أنها خزانة أسرار عليه أن يسعى للغوص في تفاصيلها، لأنها ستخبره بالكثير.

ومن هنا بدأت رحلته في البحث عن الكلمات، ويقول "خالد": عرفت خمس كلمات مرة واحدة، كانت فيهن كلمة المرارة، حين عرفت أن النبيذ لا يمكن أن يعود عناقيد تتدلى من الكروم، كان لكل كلمة جمعتها، موقفها وحكايتها وهو ما سأحكيه في يوم من الأيام حين أصل الى الكلمة الأخيرة، كنت قد جمعت سبعا وعشرين كلمة، وحرفي نفي، وحرف إثبات، كنت أصفها أمام المعنى كل ليلة، واختبر قدرتها على التعبير عنه، لكن المعنى على تجسده أمامي، لم يظهر بين الكلمات، فعرفت أن علي أن أجمع المزيد من الكلمات حتى أكمل مهمتي.

ووسط سرده لحواره مع "جبل الراعي" وجدران المعابد وحياة الموتى وموت الأحياء، لا أعرف لماذا حضرتنى فلسفة ابن خلدون حول ما أسماه بـ "العمران البشري" ووصفه قائلا: إنه مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة.

ثم استطرد المؤلف في وصف الملحمة التي عاشها وسط الطبيعة الشيقة حتى صعد على قمة "جبل الموتى" حاملا كلماته الثلاثين في انتظار الكلمة الأخيرة رغم كل العتمة التي التفت حول الجبل وكأنها معطف يحميه ولا يخفيه.

وخلفية أحمد خالد الشعرية كان لها أثر بازغ في كتابته الأدبية، فالوصف غالبا يأتي استنباطيا أكثر منه استطراديا، بمفردات مركزة مثقلة بمعان عدة يفوح منها عبق الإبداع، وهو ما يتسق مع الجمهور الحالي الذي صبغته مواقع التواصل الاجتماعى بمقولة "خير الكلام ما قل ودل" فلم يعد لدى المتلقي شغف لقراءة المجلدات الضخمة والكتابات المطولة.. ويبقى السؤال هل توصل المؤلف إلى كلمته الأخيرة؟

كلمات البحث