Close ad

بعد 75 عامًا من العدوان المستمر على الفلسطينيين.. انشقاق في أوساط النخبة الإسرائيلية

29-1-2024 | 21:57
بعد  عامًا من العدوان المستمر على الفلسطينيين انشقاق في أوساط النخبة الإسرائيليةصورة أرشيفية
العزب الطيب الطاهر
الأهرام العربي نقلاً عن

التناقضات تتفاقم بين نتنياهو ووزير الدفاع إلى حد تهديد الأخير بالاستعانة بقوات «جولانى» للسيطرة على مجلس الحرب

موضوعات مقترحة

الكيمياء الشخصية غائبة بين الرجلين وبالكاد يتبادلان الكلمات المحدودة والقطيعة بينهما شبه كاملة وجالانت لا ينسى جرح الإقالة

بينى جانتس مصدر رعب لرئيس وزراء الكيان لأنه يتصدر استطلاعات الرأى لتشكيل الحكومة المقبلة على أنقاض حكومة اليمين المتطرف

عضو مجلس الحرب «جادى آيزنكوت» لم يعد قادرا على الثقة فى نتنياهو ويدعو لانتخابات مبكرة
«لابيد» يوجه الانتقادات لنتنياهو وحكومته ومجلس حربه.. ويقول لهم: «عجزتم عن إدارة الحرب فى غزة.. أنتم عار على إسرائيل»

نيويورك تايمز الأمريكية: إحباط داخل القيادات العليا لجيش الاحتلال بعد الإخفاق فى تفكيك بنية حماس العسكرية وعدم استعادة الأسرى

تفاقم التناقضات مع جنرالات الجيش.. ولجنة التحقيق التى شكلها «هاليفى» فى وقائع «طوفان الأقصى» تهدد المستقبل السياسى لنتنياهو

الكيان الإسرائيلى يعيش حالة مزايدة سياسية.. فكل نخبته الحاكمة تدرك أن الحرب ستنتهي والمساءلة ستحدث قريبا

هل هو انشقاق، داخل النخبة السياسية والعسكرية، فى الكيان الإسرائيلى؟ أم محض توزيع أدوار بين رموزها النافذة فى المشهد الراهن؟ ما يبدو أن ثمة تناقضات آخذة فى التصاعد، أو بالأحرى فى التفاقم بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من ناحية، وبين أطراف عدة من ناحية ثانية، على رأسها وزير الدفاع يوآف جالانت، الذى تصدر التقارير الإخبارية، بعد محاولته اقتحام مكتب نتنياهو، واقتراب الأمور من التشابك بالأيدى، وفق موقع «واللا» الإخبارى الشهير، الذى نسب لمصدر داخل المكتب قوله: إن جالانت حذر من أنه سيأتى فى المرة المقبلة، ومعه قوة من لواء جولانى، مهددا فى الآن ذاته وزير الشئون الإستراتيجية، المقرب جدا من رئيس الوزراء «رون ديرمر» بإحضار لواء جولانى للسيطرة على الوضع فى مجلس الحرب، الذى يهيمن على مفاصل القرار، على صعيد العمليات العسكرية، سواء فى غزة أم فى الجبهة الشمالية مع لبنان.

ترجع التناقضات، التى بلغت حد الخلافات العلنية بين نتنياهو وجالانت، إلى إعلان مكتب الأول، إقالة الثانى من منصبه كوزير للدفاع فى السادس والعشرين من شهر مارس من العام الفائت، على خلفية رفضه التعديلات التى اقترحتها حكومة نتنياهو، بشأن المنظومة القضائية، التى تحد من صلاحيات المحكمة العليا، فى مراقبة السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وعلى الرغم من أن نتنياهو تراجع عن هذه الإقالة، وأعاد جالانت إلى منصبه فى العاشر من أبريل الماضى، فإن جرح الإقالة ظل مشتعلا داخله، وإن حاول أن يطمس معالمه، غير أن حرب الإبادة التى شنها جيش الاحتلال على قطاع غزة فى السابع من أكتوبر الماضى، التى كان لوزير الدفاع النصيب الأوفر فى التخطيط لها، والإشراف على مراحلها المختلفة، جمعت الضدين فى خندق واحد، وهو خندق العداء والكراهية لكل ما هو فلسطينى.
ومع ذلك لم تخف وطأة التناقضات الحادة، التى باتت سمة العلاقة بين الرجلين، التى ظهرت إلى العلن فى غير مناسبة، كان آخرها قبل أكثر من أسبوعين، عندما انسحب جالانت من اجتماع مجلس الحرب، احتجاجا على منع مساعده من الدخول إلى الغرفة التى عقد بها الاجتماع، على الرغم من وجود 5 مساعدين لنتنياهو بالغرفة، وما استفز وزير الدفاع قول نتنياهو له: «ما دام مساعدى لم يحضر فيجب ألا يحضر مساعدك»، وذلك برغم وجود 5 من موظفيه بالمكان، وهذا ما دفع جالانت للانسحاب فورا.

انتقام صبيانى
يأتى موقف رئيس الوزراء بالكيان الإسرائيلى، الذى وصف بالانتقام الصبيانى من بعض الحاضرين، نتيجة اعتقاده بأن ثمة من يسرب بعض المعلومات والنقاشات داخل مجلس الحرب، من قبل الجيش فى إشارة إلى مساعد جالانت، وذلك فى ضوء ما رصده طاقم مكتب نتنياهو من أن مساعدى جالانت، يقومون بتسجيل مجريات الاجتماعات الأمنية على أشرطة صوتية، واللافت للنظر أن كلا من نتنياهو وجالانت، ظهرا معا فى مؤتمر صحفى مشترك فيما بعد، وأبديا ودا متبادلا، يدرك الجميع أنه مزيف فى ضوء ما هو معروف من كراهية الرجلين لبعضهما البعض، حسب مصدر كان مشاركا فى الاجتماع، معتبرا أن هذا يدل على أن الرجلين - خصوصا نتنياهو - لم يرتقيا إلى ما يتطلبه الوقت الحاضر، ولا تزال السياسة هى محركهما الوحيد، فيما أعربت ضيفة أخرى كانت حاضرة فى اجتماع مجلس الحرب عن اعتقادهما، بأن أعضاء المجلس لا يعالجون المسائل الأساسية، لأن كل واحد فيهم يفكر فى مستقبله السياسى بعد الحرب، مضيفة: «لقد مضت 100 يوم على الحرب، وحتى الآن لم تقرر الحكومة، ولا مجلس الحرب ما الذى يريدون تحقيقه فى غزة».
أما عوفر شيلح، وهو باحث كبير فى معهد أبحاث الأمن القومى بالكيان الإسرائيلى فيعلق بقوله: إن جالانت «ليس أقل من نتنياهو، وقد خرجت من مكتبه أمور أكثر صعوبة من قصة المساعد»، موضحا أنه لا يدافع عن نتنياهو لأنه مسئول عن هذه الأجواء السائدة، لكنه يرى أنه لا أحد نظيفا فى مجلس الحرب، ولا أحد فيهم ينظر للأمام أو يفكر فى ما يجلب المصلحة لهذه الحرب، فهم منذ اليوم الأول يحضرون أنفسهم لما بعدها - أى الحرب - لأن شبح السابع من أكتوبر يطاردهم، وكل واحد فيهم يدير حملات إعلامية قبيحة عبر الفضائيات، مفادها أنه يعمل بشكل جيد لكن الآخرين مخطئون .
ومن تجليات الخلاف بين نتنياهو وجالانت، أن الأخير يصف الأول بأنه يتسم بالتردد السياسى، فى التعاطى بجدية مع إشكالية إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، لاسيما أن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلى لم يحسم أمره حيالها بصورة واضحة، بسبب مخاوفه السياسية الداخلية، التى تتسع قاعدتها يوما بعد يوم، على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة.
وتفاقمت الخلافات بين الرجلين، عندما منع نتنياهو جالانت من الاجتماع مع رئيسَى جهازَى الاستخبارات «الموساد»، والأمن الداخلى «الشاباك»، التابعَين رسميًا لرئيس الحكومة، وهى لم تكن خافية على أحد، فالتوتر الدائم فى جلسات مجلس الحرب، هو مجرد تعبير واحد عن التوتر الحاد بينهما، والذى يعود إلى ما قبل الحرب، ومن ذلك:
- تعمد نتنياهو الحد من صلاحيات جالانت وتقويض نفوذه داخل حزب الليكود، والمشهد الحزبى بالكيان الإسرائيلى.
- قيام نتنياهو بتوزيع صلاحيات وزارة الدفاع على الشركاء فى الائتلاف الحكومى تحالف «الصهيونية الدينية»، برئاسة بتسلئيل سموتريتش، بتعيينه وزيرا فى وزارة الدفاع إلى جانب جالانت.
- تجريد نتنياهو جالانت من صلاحياته ومسئوليته، عما يعرف بـ»منسق أعمال الحكومة فى المناطق الفلسطينية» و»الإدارة المدنية»، وحولها إلى سموتريتش.
- نقل المسئولية عن فرق «حرس الحدود» فى الضفة الغربية والقدس من جالانت إلى رئيس «عظمة يهودية»، برئاسة إيتمار بن غفير الذى عين فى منصب وزير الأمن القومى الإسرائيلى.
تجلت تداعيات الخلافات بين الرجلين، فيما يشبه القطيعة على الصعيد الشخصى، ورفض جالانت الظهور مع نتنياهو فى مؤتمرات صحفية مشتركة، كانت تجمعهما مع جانتس فى الأشهر الأولى للحرب أوفى لقاءات علنية، حسبما تحتمه طبيعة الأمور بين رئيس وزراء ووزير دفاع فى وقت الحرب، ووفقا لثلاثة أشخاص مطلعين على علاقتهما ، فإنهما بالكاد يتحدثان مع بعضهما البعض.
والمدهش، أنه عندما وجهت وسائل الإعلام سؤالا لمكتب جالانت حول العلاقات مع نتنياهو، أجاب بقوله: إن وزير الدفاع يركز على ضمان أمن الكيان الإسرائيلى، معتبرا أن الوحدة فى المجتمع، والحكومة أمر ضرورى للانتصار فى حرب غزة.
ولم تتوقف خلافات جالانت مع نتنياهو فحسب، إنما امتدت إلى وزراء مساندين بقوة لرئيس الوزراء، فقد وقع اشتباك كلامى غير مرة بين وزير الدفاع ووزير الأمن القومى المتطرف إيتمار بن غفير، كما تعرض لسخرية لاذعة من وزيرة المواصلات، ميرى ريجيف عند دخوله لحضور جلسة للحكومة.

لا ثقة فى حكومة نتنياهو
يدخل على خط التناقضات مع نتنياهو، شخصية عسكرية سابقة وعضو مراقب فى حكومة الحرب أو مجلس الحرب، وهو رئيس الأركان السابق جادى آيزنكوت، الذى ينتمى لحزب «الوحدة الوطنية»، بقيادة وزير الدفاع السابق والعضو بمجلس الحرب «بينى جانتس»، الذى وصل تباينه - أى آيزنكوت - مع السياقات التى يتحرك فيها رئيس الوزراء، حد المطالبة بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، مرجعا ذلك إلى أن حكومة نتنياهو لم تكن صادقة مع الإسرائيليين بشأن أحداث غزة، وطبقا لصحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، فإن آيزنكوت رفض، خلال مقابلة تليفزيونية أجراها أخيرا، القول إنه يثق برئيس الوزراء نتنياهو، الأمر الذى يعكس انقساما، آخذا فى الاتساع داخل الكيان الإسرائيلى حول مسائل حاسمة مثل كيفية تأمين عودة الأسرى، من غزة والتخطيط لما بعد الحرب، معتبرا أنه من الضرورة بمكان، فى غضون أشهر قليلة، إعادة الناخب الإسرائيلى إلى صناديق الاقتراع، وإجراء انتخابات من أجل تجديد الثقة لأنه فى الوقت الحالى لا توجد ثقة، لأن الكيان الإسرائيلى «يحتاج إلى أن يقرر كيف سيستمر بقيادة فشلت تماما، وخسرت ثقة الجمهور فى الحكومة».
لكن عندما سُئل تحديدا عما إذا كان يثق بنتنياهو، توقف آيزنكوت ثم أردف: «اليوم، أثق بالجماعة فى الحكومة المشتركة التى ستتخذ القرارات، أنا بالفعل فى مرحلة وفى عمر لا أثق فيه بهذا الزعيم، أو ذاك وأنا مغمض العينين، وأحكم على الرجل من خلال قراراته والطريقة التى يقود بها البلاد».
وحسب منظوره فى المقابلة، التى بُثت عبر التليفزيون الإسرائيلى، فإنه يجب القول بشجاعة إنه من المستحيل إعادة الأسرى المحتجزين لدى حركة حماس أحياء فى المستقبل القريب دون اتفاق معها، وأنه من المهم التفكير فى وقف القتال لفترة كبيرة، من الوقت كجزء من اتفاق أوسع من هذا القبيل، مبديا قناعته القوية بأن إطلاق سراحهم يجب أن يكون على رأس الأولويات، وذلك لن يتحقق من خلال القوة العسكرية وحدها، وأى شخص يقول خلاف ذلك، فهو مخطئ ويبيع الأوهام للجمهور.
وبذلك يتخندق آيزنكوت، الذى قتل ابنه جال جندى الاحتياط فى وحدة مشاة تابعة لجيش الاحتلال فى غزة الشهر الماضى، فى الضفة المناوئة لرؤية نتنياهو، الذى ما زال متمسكا بالخيار العسكرى لاستعادة الأسرى، على الرغم من إخفاقه الشديد فى تحقيق هذا الهدف المعلن منذ إطلاق حرب الإبادة فى السابع من أكتوبر، وما زال أيضا يردد مقولته بأنه «سيواصل القتال بكل قوة حتى النصر الكامل على حماس».
وتتركز تناقضات بينى جانتس مع نتنياهو، حول موقف الثانى من الأحزاب الدينية المتحالفة معه فى حكومته الموسعة المشكلة منذ ديسمبر 2021، ويتفق أعضاء مجلس الحرب الآخرين من رؤية جانتس فى هذا الشأن، ونجحت ضغوطهم فى وقف حصول هذه الأحزاب على مليارات الدولارات لتعزيز الاستيطان فى الضفة الغربية، وفقا لتعهد نتنياهو لرؤساء هذه الأحزاب للانخراط فى ائتلافه اليمينى، لكن بعد تشكيل حكومة الحرب، هدد جانتس نتنياهو باتخاذ إجراءات، أى تهديد بالاستقالة، فى حال لم يتم وقف تمويل الأحزاب الدينية المتطرفة بهذه الأموال، وقد طلب فى رسالة رسمية إلى نتنياهو بإلغاء جميع المخصصات المالية لـ(تمويل الأحزاب الدينية) من ميزانية الحرب المقترحة، فوفقًا لرؤيته أنه لا يجوز تخصيص أموال لأغراض خارج المجهود الحربى، أو دعم الاقتصاد.
وتشكل مسئولية ما جرى فى عملية طوفان الأقصى، فى السابع من أكتوبر المنصرم، واحدة من الجوانب الخلافية الكبرى بين نتنياهو من جهة وكل من جانتس وآيزنكوت من جهة ثانية، وألقت بظلالها السلبية على أداء مجلس الحرب، فالجنرالان السابقان اللذان كان يقيمان فى خانة المعارضة قبل انضمامهما إلى المجلس، يعتبران أن رئيس الوزراء لم يعر الاهتمام المطلوب لتحذيراتهما حول الأزمة السياسية، بخصوص المنظومة القضائية، والتى امتدت لشهور من الاحتجاجات، وحذرا من أنها تشجع خصوم الكيان الإسرائيلى فى غزة ولبنان وإيران على الهجوم عليها، وهو ما وقع فيما بعد السابع من أكتوبر، ولا تزال تداعياته متواصلة، فإن نتنياهو، كان قد نشر عبر حسابه بمنصة «إكس»، أنه لم يتلق أى تحذيرات من ويلات الحرب من حركة حماس فى أى مرحلة، مما أدى إلى تعرضه لهجوم شرس من قبل جانتس، وكذلك من رئيس الوزراء السباق وزعيم المعارضة حاليا يائير لابيد، والذى رفض دعوة انضمامه إلى مجلس الحرب.
ثمة جانب خلافى آخر، بين نتنياهو وجانتس حول وجهة نظر كل منهما فيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة، فقد انتقد الثانى رؤية الأول التى تحمل معها ضررا بالعلاقات مع مع إدارة بايدن، من خلال الانخراط فى خلافات مصطنعة على حد قوله، وسط الحرب ضد حماس، فى إشارة منه إلى سياسة نتنياهو، التى لا تتفق مع تصور واشنطن للتعاطى مع ملف مستقبل غزة وتقوم على جملة من المحددات أهمها:
- انسحاب جيش الاحتلال من القطاع بعد تحقيق أهداف الحرب.. وإعادة السلطة الفلسطينية «المجددة» إليه.
- تأكيد الوحدة السياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فى سياق رؤية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية فيهما.
- فرض إجراءات، تتعلق بدخول المساعدات ومشاريع إعادة الإعمار.
طبقا لمنظور جانتس، فإنه يتعين على حكومة الاحتلال أن تكون مستعدة للعمل مع الإدارة الأمريكية والدول العربية المعتدلة، لبناء غزة من جديد بعد الإطاحة بحكم حماس، قائلا: لسوء الحظ، فى هذه الأيام بالتحديد، هناك من يشارك فى خلق نزاعات مصطنعة فى المجال العام، والإضرار بالعلاقات المهمة مع الولايات المتحدة.
ومن الواضح أن جانتس، يلفت النظر إلى تصعيد مضاعفة نتنياهو للهجته، ضد فكرة عودة السلطة الفلسطينية لحكم قطاع غزة، بعد الحرب، وحسب رؤيته، فإنه لابد من العمل مع العرب فى المرحلة المقبلة لتحقيق أهداف الكيان الإسرائيلى، بالذات لإعادة بناء غزة بعد أن يحقق جيش الاحتلال هدفه المتمثل، فى القضاء على حماس وإنهاء حكمها المستمر منذ 16 عامًا، أو هكذا يحلم، مقدما نفسه بالطبع لواشنطن كوجه مقبول لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، لكنه لا يقل ضراوة عن نتنياهو، وإن اختلف منهجه باتجاه قدر من المرونة والليونة، غير أن الهدف واحد هو المزيد من القتل والتدمير، تحت حجة القضاء على حماس وحكمها فى القطاع.
وفى هذا الشأن يبدى جانتس قناعته، بضرورة أن يحتفظ الكيان الإسرائيلى بالسيطرة الأمنية على غزة على المدى القصير، مضيفا أنه فى الشق المدنى، سيكون من الصحيح العثور على كيانات محلية تعتنى بالصرف الصحى والأدوية والخدمات، لكن ذلك سيكون من خلال دعم إدارة تتألف فى معظمها من دول عربية معتدلة، تعمل مع الكيان الإسرائيلى لبدء عملية التطبيع، وعملية تغيير الواقع فى غزة، على المدى الطويل، وهو هنا – أى جانتس - يتماهى مع الطروحات التى روج لها وزير الخارجية الأمريكية أنتونى بلينكن فى جولته الأخيرة، تحديدا لدى زيارته عددا من العواصم العربية، التى دعا خلالها إلى إطلاق عملية سياسية تفضى إلى كيان فلسطينى، أسماه بايدن أخيرا بدولة منزوعة السلاح، مقابل صفقة تطبيع واسعة من قبل دول عربية وازنة، وإشارته مركزة على المملكة العربية السعودية، التى أعلنت بصورة قاطعة ودونما التباس، رفضها الاعتراف بالكيان الإسرائيلى والإقدام على أى خطوات تطبيعية معه، إلا بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، فى مداخلة وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، خلال مشاركته فى منتدى دافوس الأسبوع قبل الماضى.
وربما يشكل بروز جانتس، متصدرا استطلاعات الرأى العام كشخصية محتملة لترؤس الحكومة المقبلة، خلفا لنتنياهو فى حال إجراء انتخابات مبكرة، ضغطا نفسيا على نتنياهو، ومن ثم بات يضبط فى حالة عدم ارتياح ووئام معه، لاسيما أن آخر استطلاع أجرته معاريف يوم الجمعة قبل الماضية، أوضح أن جانتس حظى بتأييد 42 %، من الإسرائيليين باعتباره الشخص الأنسب للمنصب، فى حين حصل نتنياهو على نسبة 29 %.. ولا يقيم نتنياهو وزنا – أو هكذا يظهر – للدور الذى اضطلع به جانتس فى التحالف معه بعد عملية «طوفان الأقصى»، رافضا مطالب العديد من الساسة بالاستقالة لإسقاط نتنياهو وحكومته، ما جعله الرجل الأبرز فى مجلس الحرب بل شكل ضمانة قوية لاستمرار نتنياهو وحكومته الموسعة.
وحتى يائير لابيد زعيم المعارضة، برغم أنه أقر خطط نتنياهو للعدوان على غزة والقضاء على المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، فى الأيام الأولى التى أعقبت طوفان الأقصى، فإنه لم يتورع فى الآونة الأخيرة عن توجيه الانتقادات لنتنياهو وحكومته، مستندا فى ذلك إلى أنها عاجزة عن إدارة الحرب فى غزة، إلى جانب التسريبات المستمرة من داخل «الكابينيت» المصغر وما لها من تأثير سلبى على الشارع فى الكيان الإسرائيلى، وكتب  عبر منصة «إكس»: «كل اجتماع للحكومة أو للمجلس الأمنى ينتهى بتسريبات ومشاجرات بين الوزراء، ليست هذه هى الطريقة التى تدار بها الحرب والدولة، قائلا: أنتم عار على إسرائيل».

خلافات حادة
لم تتوقف خلافات نتنياهو، مع هؤلاء النفر من الرموز السياسية من أصحاب الخلفيات العسكرية، لكنها امتدت إلى المؤسسة العسكرية، لاسيما بعد أن قرر رئيس أركان جيش الاحتلال، هرتسى هاليفى تشكيل لجنة تحقيق للنظر فى سلسلة الإخفاقات العسكرية والاستخبارية عشية السابع من أكتوبر، وكذلك فى سير العمليات العسكرية فى الحرب على غزة، مكوّنة من قادة عسكريين سابقين، برئاسة وزير الأمن رئيس أركان الجيش الأسبق شاؤول موفاز، دون أن ينسق مع نتنياهو، ما أثار سخط، أو بالأحرى غيظ نتنياهو وأنصاره، الذين انتقدوا هاليفى بشدة فى أثناء اجتماع المجلس الوزارى المصغر، بحضور رئيس الوزراء الذى لم يتدخل، فى حين تدخل جالانت للدفاع عن رئيس الأركان.
ولا يعود سخط نتنياهو إلى عدم التنسيق معه، فيما يتعلق بتشكيل هذه اللجنة فحسب، إنما لأنه يدرك جيدًا مخاطرها على مستقبله السياسى، فمن المرجّح أن اللجنة ستحمّله هو وقادة المؤسسة العسكرية والأمنية مسئولية الفشل الأمنى والاستخباراتى والعملياتى وتدعو إلى إقالتهم، خاصة أن رئيسها هو شاؤول موفاز، وزير الدفاع الأسبق والمعروف بمعارضته الشديدة لنتنياهو، كما أن تشكيل هذه اللجنة قد يعزز المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية قبل انتهاء الحرب على قطاع غزة.
وفى هذا السياق، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن وجود خلافات بين نتنياهو، وكبار المسئولين فى الجيش بشأن التقييمات والخطط والقرارات، واصفة مجلس الحرب والمجلس الوزارى المصغر، بأنهما أعرجان وغير قادرين على بناء إستراتيجية، وأن كل خطواتهما كانت متوقعة.
على إثر هذه الخلافات، هاجم وزير الأمن القومى المتطرف، إيتمار بن غفير، رئيس الأركان الجنرال هرتسى هاليفى، خلال اجتماع لمجلس الوزراء الأمنى وقام بتوبيخه،  واتهمه بالإضرار بمعنويات القوات، وذلك بسبب إيقاف عدد من الجنود الذين صوروا أنفسهم، وهم يغنون أغانى عيد الحانوكا وترديد الشما اليهودية عبر مكبر الصوت فى مسجد فى مدينة جنين بالضفة الغربية، فجاء رد هليفى أن الحكومة ليس لديها الحق فى التدخل فى مثل هذه الأمور وصرخ فى وجه بن غفير قائلا: لا تهددنى، مؤكدًا أنه من يقرر القيم فى الجيش والقواعد المهنية والأخلاقية للجنود، ما دفع جالانت للدفاع عن هاليفى عبر منصة إكس، قائلاً: «إن الجيش فاز برئيس أركان شجاع وأخلاقى، وذى خبرة خلال حرب صعبة ومعقدة».
تكمن خطورة هذه الخلافات على الصعيد العسكرى، فى أنها ترفع منسوب عدم ثقة الجنرالات فى نتنياهو، وأتباعه المتعصبين فى ما يتعلق بالحرب، ولا يثقون فى دوافعهم وأهدافهم التى تجعل الحرب مجرد استمرار لسياستهم من خلال العنف، ويرون أن نتنياهو منشغل ببقائه السياسي، أكثر من ضمان أمن البلاد، ولعل ذلك يفسر سعى نتنياهو منذ البداية إلى التنصل من مسئولية فشل التنبؤ بهجوم حركة حماس، وإلقاء التبعة كلها على عاتق الجيش، وفق صحيفة «هآرتس».
لكن صحيفة «نيويورك تايمز»، الأمريكية والمعروفة بقربها الشديد من دوائر صنع القرار السياسى والعسكرى فى الكيان الإسرائيلى، كشفت فى عددها الصادر يوم السبت الماضى، عن أن الإخفاق فى تحقيق الأهداف الرئيسية للحرب على غزة بعد أكثر من 100 يوم على اجتياحها، بات يثير إحباطا متزايدا بين قادة المؤسسة العسكرية، ودفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن استعادة الأسرى فى القطاع ممكنة فقط، من خلال الوسائل الدبلوماسية لا العسكرية.
ووفقا لتقرير مطول للصحيفة أشبه بالتحقيق الإقصائى، فإن الشكوك تتزايد فى أوساط القيادة العسكرية العليا، بشأن إمكانية تحقيق الهدفين الرئيسيين للحرب، وهما القضاء على «حماس» واستعادة نحو 137 أسيرا، فى ضوء التقدم المحدود الذى تم إحرازه، فيما يتعلق بتفكيك بنية حركة حماس فى غزة، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال فرض سيطرته فى غزة على جزء أصغر مما تصوره فى خطط المعركة منذ بداية الحرب، كما أن وتيرة تقدم الحملة العسكرية التى كانت أبطأ من المتوقع، دفعت عددا من القادة العسكريين، إلى التعبير عن إحباطهم من إستراتيجية القيادة السياسة بشأن غزة.
ونقلت الصحيفة عن قادة عسكريين بجيش الاحتلال، تأكيدهم أن استعادة الأسرى وتدمير حركة حماس، أصبحا الآن هدفين غير متوافقين، وهو ما صنع مأزقا إستراتيجيا، ووسع دائرة إحباط الجيش، بشأن تردد القيادة السياسية، بالطبع جاء تعليق المتحدث باسم جيش الاحتلال على التقرير سلبيا، مؤكدا أنه لا يعبر عن موقف الجيش.
ومن الواضح أن الغضب ضد نتنياهو، لم يقف عند حدود جنرالاته فحسب، بل يمتد بين قطاعات واسعة من المجتمع داخل الكيان الإسرائيلى أيضًا، فهناك تظاهرات كل يوم تدين نتنياهو وحكومته على، كل الأوضاع الحالية فى ظل ارتفاع حجم الخسائر الكبيرة التى لحقت بهذا الكيان فى صدارتها تظاهرات عائلات الأسرى، الذين ما زالوا فى قبضة المقاومة بقطاع غزة، والذين ينظمون احتجاجاتهم الواسعة، مدعومين بالآلاف وكان آخرها ليلة الأحد الماضى، حيث احتشدوا، قرب مقر نتنياهو الرسمى فى القدس المحتلة، للمطالبة باتفاق يفضى إلى إطلاق سراحهم، وأحدهم ويدعى جلعاد كورنبلوم، ما زال ابنه محتجَزاً فى غزة، حيث قال، فيما يشبه الصرخة: «نريد من حكومتنا أن تنصت وتجلس إلى طاولة المفاوضات، وتقرر القبول باتفاق لتبادل الأسرى مع المقاومة»، فى ضوء ما تردد من جهود جديدة تبذلها مصر، وقطر والولايات المتحدة، بينما قال جون بولين، والد أحد الأسرى: «لدينا جميعاً نحن المواطنين عقد مع البلد، فنحن نخدمه وندفع ضرائبنا، ونرسل أولادنا لخدمته والدفاع عنه، ولقاء هذه الخدمة وهذه الضرائب، نتوقع من الحكومة أن تضمن أمننا ونطالبها بالقيام بدورها، وتعيد المحتجزين المتبقّين أحياء».
على أى حال، يبدو، على الرغم من اختلاف التوجهات والتيارات داخل الكيان الإسرائيلى، أن هناك شبه إجماع على أن سياسة نتنياهو الممتدة على مدار 16 عامًا مضت، هى السبب الرئيس فى الحرب الحالية. وهو ما يدفع باتجاه التنبؤ بسقوط نتنياهو وحكومته الحالية على غرار جولدا مائير، التى استقالت بسبب إخفاق حكومتها فى عدم توقع الهجوم المصرى - السورى فى حرب أكتوبر 1973.
ووفقا لعدد من الخبراء، ومن بينهم الخبير فى الشأن الإسرائيلى محمد هلسة، فإن الانقسام المتزايد داخل حكومة مجلس الحرب، لا يعدو كونه محاولة من كل طرف للظهور بمظهر البطل، أملا فى تجنب المحاسبة المقبلة بقوة، وهو ما جعل الكيان الإسرائيلى يعيش حالة مزايدة سياسية، لأنهم جميعا يدركون أن الحرب ستنتهى والمساءلة ستحدث، وكل واحد منهم يحاول الظهور بمظهر البطل، سواء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أم أعضاء حكومته، ومعضلة نتنياهو الرئيسية تتجلى فى أنه يشعر بأن أركان مجلس الحرب، يمثلون تهديدا له بالذات جالانت وجانتس، وأنه لا أحد يملك رؤية واضحة يقدمها لما بعد الحرب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة