Close ad
29-1-2024 | 13:43

أن تقع أسيرًا ورهينة لسراب التمني والآمال الوردية دون اعتبار للظروف والمعطيات الواقعية، فأنت تشيد قصورًا واهية على رمال متحركة ما تلبث أن تبتلعها في غمضة عين، وهكذا فعل بعض الحالمين بشطط في عالمنا العربي الذين هللوا وتملكتهم الغبطة، بعدما راجت أنباء تلويح ولاية "تكساس" الأمريكية براية التمرد والعصيان بوجه الحكومة الفيدرالية لإدارة الرئيس "جو بايدن"، بسبب اختلافهما المزمن حول سبل وقف تدفق الهجرة غير الشرعية القادمة من المكسيك التي تتماس حدودها مع " تكساس ".

هؤلاء الحالمون اعتبروا أن تمرد "تكساس" ومؤازرة عدة ولايات موقفها المناهض للحكومة الفيدرالية بشائر مبكرة سيترافق معها بدء "الربيع الأمريكي"، وربما الحرب الأهلية، وأن بلدان " الربيع العربي" التي ذاقت الأمرين من ورائها ستحين لحظة تشفيهم وانتقامهم بأثر رجعي من الولايات المتحدة التي آزرت هذه الموجة، وأدخلت المنطقة في عواصف عاتية من القلاقل والاضطرابات، وقوضت دعائم الدولة الوطنية، وتمخض عنها ميليشيات وجماعات وكيانات إرهابية مزقت أوصال هذه الدول وحولتها إلى "كانتونات" تتحكم فيها تنظيمات مسلحة تمولها أجهزة مخابرات خارجية استباحتها ولم تراع سيادتها قيد أنملة.

ما يرجونه ويروجونه ليس سوى أحلام تجافي الحقائق على الأرض، حتى في ظل قاعدة أن كل الاحتمالات واردة وغير مستبعدة، لأن المسألة ليست بالبساطة المتخلية في أذهان الحالمين، وذلك يرجع لعدة أسباب، منها أن الولايات الأمريكية بها حكومات محلية منتخبة تدير شئونها، باستثناء ما له صلة بالسياسات الخارجية والدفاع، وتؤمن بأنها مسئولة أمام ناخبيها أكثر من الحكومة الفيدرالية، وعليها إظهار حرصها على مصالحهم ومواطن قلقهم وخوفهم، ومنها المهاجرون غير الشرعيين الذين يزاحمونهم، على الرغم من كون أمريكا بلدًا تأسس على أكتاف وعقول المهاجرين من شتى بقاع القارات الخمس. 

ثم إن هذه الحكومات متمرسة ومعتادة على الاحتكاكات والصراعات مع الحكومة الفيدرالية، وما نشهده حاليًا مجرد فصل من فصول المناكفات بين الطرفين، بحكم أن الولايات المتحدة بلد مؤسسات تتمتع بالتقدير والاحترام وتلتزم حدودها، حتى إذا اختلفت الرؤى ووجهات النظر بشأن قضايا الداخل، وإن شعرت هذه المؤسسات بأن الأمور تهدد السلم والأمن الداخلين تهرع للتدخل ووضع الأمور في نصابها، مثلما وقع بعد اقتحام أنصار الرئيس السابق "دونالد ترامب"، الكونجرس في مشهد تتاري أساء لنظامها الديمقراطي وافتخارها به، ومثل المعتدون أمام القضاء لنيل جزائهم على استخفافهم واستهانتهم بالمؤسسة التشريعية في البلاد.

وفي الماضي عاصرت الولايات المتحدة ما هو أعنف وأخطر من الخلاف بين ولاية والسلطات الفيدرالية، ولم تسفر عن ربيع ولا خريف، رغم حدتها وعنفوانها، ونذكر منها كأمثلة الانقسامات الحادة بالمجتمع الأمريكي بخصوص خوض حرب فيتنام، ومشاركة ملايين المعارضين لها في مظاهرات حاشدة تخللتها صدامات دامية مع قوات الشرطة والجيش، وسبقها حركات السود المدنية المطالبة بإنهاء الفصل العنصري والتمييز الذي عانوا منه لمئات السنين، وظهرت من رحمها تنظيمات متطرفة لا تؤمن بالحلول والتحركات السلمية وانتهجت سبيل العنف والإرهاب والتفجيرات، وحينها قيل إن بلاد، "العم سام" على شفا الحرب الأهلية.

بل إن أمريكا التي تواجه بمعارضة عالمية كاسحة، بسبب سياساتها ومواقفها غير العادلة من الأزمات الدولية، أرهقها وآلمها الإرهاب الداخلي بدرجة ربما فاقت أحيانًا استهداف مصالحها ومواطنيها بالخارج بعمليات وهجمات إرهابية، ومصدره كان متطرفين دينيين أنشأوا طوائف قررت الانفصال عن محيطها الاجتماعي، وبناء مجتمع يتوافق مع معتقداتهم الغريبة والشاذة، وصغار حملوا أسلحة نارية إلى مدارسهم وأطلقوا منها النيران على زملائهم، لا سيما وأن لوبي بيع الأسلحة يعد الأقوى والأكثر نفوذًا بالبلاد، وتمويلًا للحملات الانتخابية الرئاسية والكونجرس بمجلسيه.

والعادة جرت على أن الأنظمة الديمقراطية لا تخشى من إثارة مشكلاتها وخلافاتها على الملأ تحت سمع وبصر المواطنين الذين يحق لهم معرفة ما يدور، وفي بعض الأحيان يمس ما يثار جوانب تتعلق، ولو من مسافة بعيدة، الأمن القومي وعملية صنع القرار، والسائد أن إثارتها مسألة صحية لتصويب الأخطاء ومحاسبة المسئولين عنها، والتعلم من دروسها المستفادة.

ذاك هو الواقع الأمريكي الذي نعلم أنه ليس المدينة الفاضلة، ولن يكون، والواجب النظر إليه قبل الانسياق خلف سراب وأوهام "الربيع العربي"، حتى لا نصبح كالإنسان الذي وقع في مستنقع أفكاره فانتهى به الأمر إلى المهزلة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة