Close ad

أنا هويت ما انتهيت في قصر عابدين

26-1-2024 | 15:21

 بعد يوم بارد طويل ، تخللته الأخبار والصور التي تدمي القلب على ما يحدث على أرض غزة وخان يونس ونفاد الطعام والأدوية، هذه الكارثة الإنسانية الدامية أو الإبادة الجماعية المنظمة..، ومع تعنت الكيان الصهيوني وطلب أحد وزرائه ضرب غزة بالقنبلة النووية ..، وعلى صعيد آخر أزمة الدولار..، وأزمة الطاقة..، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن..، وارتفاع معدلات التضخم في الشرق الأوسط..، وحروب السودان وأوكرانيا وروسيا..، وتحذيرات منظمة الصحة العالمية من وباء إكس المدمر سريع الانتشار!!

حاولت غلق شاشة الواقع قليلا، وذهبت إلي قصر عابدين جوهرة قصور القرن التاسع عشر، أجمل قصور المحروسة، لحضور احتفالية نظمها مركز أبوظبي للغة العربية للاحتفال بمئوية فنان الشعب سيد درويش؛ هذا الفنان الاستثنائي، بعنوان "أنا هويت ما انتهيت"، وذلك ضمن مشاركة المركز في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

    الاحتفالية غاية في الألق والجمال والعذوبة والتنظيم الدقيق الراقي، لاشك أن اختيار قصر عابدين كمكان للاحتفاء بصوت الشعب سيد درويش كرمز ونابغة للموسيقى والوطنية اختيار موفق جدا.

    عن جدارة أطلق عليه الأديب عباس محمود العقاد إمام الملحنين، وقال عنه الموسيقار محمد عبدالوهاب: يخطئ من يتصور أن سيد درويش أغنية ولحن، سيد درويش فكر وتطور وثورة.
   
 جاءت كلمة رئيس مركز أبوظبي، د.علي بن تميم، معبرة عن شيخ الموسيقى سيد درويش: بأنه لم يكن مجرّد ملحنّ، وموسيقي مجدّدٌ لما سبقه من عباقرة في المجال، بل هو مؤرخ لحالة مفصلية من التاريخ الاجتماعي والسياسي في مصر، هو فنّان وثّق الكثير من المشاهد اليومية في أغنياته، وجال في عوده بين أزقة البهية مصر، وغنّى للوطن، والكادحين، والفقراء، والعاملين في المرفأ، رسم بصوته الشجيّ صورًا رائعة الجمال للفلاحات وبنات البندر، كما صال وجال في فنّه جنوبا وغربا، شمالا وشرقا بعبير الوتر، وكانت أعماله دعوة صريحة للتقدم والازدهار والرقي والنهوض بجمهورية مصر العربية وإنسانها.
  
وما أضاف إلى هذه الاحتفالية جمالًا، ما قاله سعيد الطنيجي المدير التنفيذي لمركز أبوظبي: عندما أعلن عن استضافة مصر كضيف شرف معرض أبوظبي للكتاب، واختيار الروائي الكبير نجيب محفوظ القامة الأدبية والفكرية الكبيرة، الذي وضع الأدب العربي على أرفف مكتبات العالم، وعرّف الشعوب على أزقة القاهرة العريقة، شخصية محورية لمعرض هذا العام في أبريل المقبل، حرصا منّا على أن يتواصل ارتباط الأجيال الجديدة مع هذه القامات الفكرية، والأدبية الكبيرة، ويتعرّفوا على جهودها، وإنتاجاتها، ويحذو حذوها للارتقاء بالثقافة العربية وإيصال رسائلها وقضاياها للعالم بأسره..     
  
على مدى ثلاث ساعات كان فن وغناء سيد درويش بأصوات المطرب المتمكن محمد محسن: قوم يا مصري، والكترة، وأنا هويت، والفنانة الإماراتية ذات الأداء الرصين فاطمة الهاشمي: يا بهجة الروح، ويا عزيز عيني، وبنت اليوم، وطلعت يا محلا نورها، والحلوة دي، والفنانة التونسية الرقيقة عبير النصراوي: حرج عليَّ بابا، وياللي تحب الورد، ويا عشاق النبي، والبحر بيضحك ليه، ومنيتي عز اصطباري، ويا ناس أنا مت في حبي، وفرقة مسار إجباري بأدائها الحديث: أهو ده اللي صار، وخفيف الروح، وأنا هويت، شيخ قفاعة ، شد الحزام، واوعى يمينك.

غناء جميل.. في حضرة عبق التاريخ المصري، قصر عابدين، الذي يُعد تحفة تاريخية، وأهم وأشهر القصور التي شيّدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر، حيث كان مقرًا للحكم من العام 1872 حتى العام ١٩٥٢
  والذي صُمِّم على الطراز النيوكلاسيكي الفرنسى، بواسطة المهندس الفرنسي ليون روسو، وشاركه معماريون وفنانون ومهندسون من مصر وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وتركيا، وكان أشهرهم المهندس ديكوريل.
 
 شهد القصر أحداثا لها دور كبير في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، كما أنه يُعد البداية الأولى لظهور القاهرة الحديثة، ففي نفس الوقت الذي كان يجرى فيه بناء القصر أمر الخديو إسماعيل بتخطيط القاهرة على النمط الأوروبي من ميادين كبيرة وشوارع واسعة وقصور ومبانٍ وجسور على النيل، وحدائق غنية بالأشجار وأنواع النخيل والنباتات النادرة.
  
لا شك أن سر خلود سيد درويش بعد مرور 100 عام على وفاته هو أنه ناقش القضايا التي تخص كل فئات الشعب، كالجرسونات والشيالين والصنايعية والموظفين والسقايين، والأهم قضية تحرير الوطن، سيد درويش هو رائد المدرسة التعبيرية بلا منازع، حيث كان يعبر عن الكلمة باللحن..
 
حقا قيمة سيد درويش الفنية تكمن في أنه صاحب أول بصمة في تمصير الموسيقى والجمل اللحنية 
اُختتم الحفل بغناء جماعي مصري عربي جميل لأغنية "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي"، كانت هذه هي الأغنية الأخيرة لسيد درويش، التي لحنها ورحل قبل أن يستقبل بها الزعيم سعد زغلول وهو عائد من منفاه، ليموت على حب الوطن الذي غنى له "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي"، والذي أصبح نشيدا وطنيا لمصر يتردد حتى الآن في كل مناسبة وطنية، وفي كل محفل حول العالم.  

بلادي بلادي بلادي لكِ حبي وفؤادي
مصر يا أم البلاد     أنتِ غايتي والمراد
وعلى كل العباد        كم لنيلك من أيادي
أنت أغلى درة        فوق جبين الدهر غرة
يا بلادي عيشي حرة   واسلمي رغم الأعادي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: