Close ad

«الكرام».. قرية نموذجية عالمية فى مصر

26-1-2024 | 15:39
;الكرام; قرية نموذجية عالمية فى مصرتطوير القرى
حسام عبد الله حفنى
بوابة الأهرام الزراعي نقلاً عن

بدأت توسعات استصلاح الصحراء المصرية مع مشارف الثمانينيات من القرن الماضى، وظهرت للنور مراكز وقرى جديدة فى شمال مصر بدءاً من النوبارية والصالحية ووادى الملاك، وكان نصيب محافظة البحيرة وافراً من حيث الاستغلال والتنمية الزراعية، وفى زيارة غير تقليدية قامت بها مجلة "الأهرام الزراعى" لمحافظة البحيرة، كان لنا زيارة لواحدة من أهم قرى محافظة البحيرة بمركز بدر بالقرب من مدينة السادات، حيث قرية الكرام التى حصلت على جوائز دولية من اليابان فى عام 2003، ثم من الأمم المتحدة فى عام 2021، وذلك لكونها القرية الوحيدة عالمياً صديقة للبيئة منذ نشأتها فى عام 1997 أى منذ 26 عاماً، ماهى حكاية هذه القرية؟، وما سر فوزها بهذه الجوائز؟، كان هذا غرض جولتنا وزيارتنا.. الذى سنعرضه فى التقرير التالى.

قرية عالمية

قرية الكرام كانت مفاجأة بالنسبة لنا، نظراً لأنها معروفة عالمياً ومجهولة محلياً، هذه القرية زارها وأقام بها العديد من رجالات الدولة؛ لقراءة تجربتها عن كثب، بدءاً من د. عاطف عبيد ومروراً بالدكتور يوسف والى.. وحتى رشيد محمد رشيد، وأخيراً كانت زيارتنا بصحبة الدكتور مصطفى حسين كامل وزير البيئة الأسبق ومدير المركز الإقليمى للتدريب ونقل التكنولوجيا للدول العربية (بازل)، والمنبثق من اتفاقية بازل للأمم المتحدة الخاصة بصفر مخلفات مدن، حيث يرأس مركزاً يشرف على 22 دولة عربية لنقل تلك الخبرات، ومن خلال اتفاقية بينه وبين المرصد المصرى للتقنيات البيئية كاستشارى للمشروع فى مصر، كان البحث عن النماذج المتميزة الصالحة للتطبيق، ليتم اكتشاف تجربة الكرام، التى أوصت اليابان بتكرار نموذجها منذ عام 2003، و قد قامت مصر بالتعامل مع التجربة كنموذج استرشادى لممر التنمية بالصحراء الغربية، حيث الدلتا الجديدة والنهر الصناعى العظيم وغرب المنيا والفيوم والواحات، نزولاً إلى توشكى وشرق العوينات، ثم توصية التطبيق لدى المملكة العربية السعودية.

تقلب الموازين

مزرعة فى شكل قرية صغيرة مساحتها ثمانمائة فدان، وتقطنها مائة أسرة فى مصر، استطاعت أن تقلب الموازين فى شكل الزراعة البيئية الطبيعية، وفى توفير مياه الرى من الآبار، حيث تعيش منذ نشأتها، وبسواعد الملاك فى هذه القرية، قام الجميع كأسرة واحدة تحت رعاية المرحوم المهندس مختار على محمد ببناء الخبرات اللازمة فى الأرض والبشر، حيث أقاموا كياناً اقتصادياً محترماً يشرف بشكل تام على التجربة مدخلات ومخرجات وإعادة تدوير، مع تقسيم الأرباح بعد كل المصروفات، فى كيان نتمنى وجوده فى القرى المصرية، خاصة بعد تفتت الحيازات وهجر الأراضى الزراعية القديمة، يشرف على هذا الكيان دكتور متخصص فى مجال الأسماك(وهو اقتصادى بالأساس)، إنه الدكتور جمال مختار، ويعاونه بالإدارة التنفيذية شقيقه دكتور الإدارة عبد الحكيم مختار، واللذان كانا على رأس المضيفين لنا فى هذه التجربة الرائدة، ويعاونهما د.محمد العربى خبير الأسماك المعروف عالمياً بمنظمة الفاو، ود.مصطفى عطيه عمارة بمركز البحوث الزراعية.

بداية الحكاية

بداية الحكاية عندما هب المرحوم م. مختار لتعمير الصحراء بالزراعة، حيث قام بالشكل التقليدى بشراء مساحات من الأراضى الصحراوية للزراعة والرى بالآبار الجوفية، ثم العرق والجهد والمساهمات لتكون النتيجة ما نحن عليه اليوم، بدأ النجاح من استغلال مياه الآبار فى الاستزراع السمكى مع الرى، وبتناقل الخبرات والتجربة نجح الاستزراع السمكى فى الصحراء فى أحواض خرسانية مستطيلة بأبعاد محددة، ومع التجربة تم استحداث أحواض دائرية، حيث سهولة الاحتواء والتربية، بدأت التجربة بأسماك البلطى للمياه العذبة، ومع نمو الخبرات تمت تربية أسماك البورى معها للمساهمة فى تنظيف الأحواض بشكل بيئى تفاعلى، ولأن الأرض تحتاج لكميات مياه تقدر بنحو 2500 متر مكعب للرى لكامل المساحة، فكان استهلاك الكهرباء الكبير لتشغيل الطلمبات عاملاً مساعداً لتغيير النظرة الكلية لاقتصاديات المشروع، فكان نقل مياه تربية الأسماك فى دورة مكملة لتربية أسماك القراميط فى وحدات طفلية أشبه ما تكون بالبيئة الأصلية، ثم أخذ هذه المياه لرى الأراضى الزراعية، وكانت النتيجة المذهلة فى إطار بيئى متوازن، حيث المياه المحملة بالسماد العضوى من خلال الأسماك، لتخرج الأرض الرملية كنوزاً لم نكن نظن أن تكون فى تربة مماثلة.

فكر سبَّاق

مع هذا الفكر السبَّاق فى حينه كانت النتيجة زيادة إنتاجية البرسيم بما يفوق 60 % للمتوقع، وبالقياس على باقى المحاصيل خضر وفواكه ومحاصيل استراتيجية كانت النتائج مبهرة، وليست مبشرة فقط، هذا النجاح مع الخبرة والعلم فرخ لنا نماذج علمية جادة ممن ساهموا فى بناء وإنجاح المشروع، والأمر الأهم هو الاستدامة وتوحيد القيادة والرأى، والتمكن من العرض الواعى للتجربة، للخروج بقرية صديقة للبيئة تخرج منتجات غذائية تصدر بالكامل، أحياناً لمطابقتها للكود العالمى للتصدير، ولا يبقى للسوق المحلية سوى الأحجام الأصغر التى لا ينطبق عليها الشكل المعنى فقط، ويتم حجزها بالكامل من قبل المستهلك المصرى، وهناك أيضاً تربية المواشى والأغنام والدواجن التى تتم بعلائق طبيعية من نتاج الأرض الطيبة، لتكون ثمرة الحب والتآلف بين المساهمين والعاملين نموذجاً يحتذى به داخل مصر وفى كل بقاع الأرض.

الصبر والعلم

خلال الجولة التى قام بها د.جمال على أرض الواقع لشرح التجربة، قال إن جهد هذه السنوات التى علمتهم الخبرة بالصبر والعلم والتنسيق فى أخذ المشورة العلمية والملاحظة، خلقت مجتمعاً اقتصادياً واعياً بكل مستلزماته اليومية، متكافل فى كل شىء حتى النسب والصهر بين عائلات القرية، فى منظومة محترمة متسقة بمعنى الكلمة، وأضاف د.عبد الحكيم أن توحيد الرأى فى تنفيذ خطط الزراعة والتربية باقتناع كامل تكون هذه هى النتيجة المنطقية له، وقد أثنى السيد عاصم خليفة رئيس مجلس إدارة المرصد المصرى للتقنيات البيئية على تلك التجربة الرائدة آملاً أن يستطيع المرصد أن يكون ناقلاً جيداً لهذه الخبرات وتسويقها للمجتمع المصرى من خلال جمعية المرصد الأهلية غير القابلة للربح، وأضاف خالد مبارك أمين عام المرصد والخبير البيئى المعروف أن الوعى الإعلامى والأمانة العلمية هما السبيل لتوجيه الضوء نحو مثل هذه التجارب المتفردة الجادة.

و بسؤال د.محمد العربى عن ناتج الاستزراع السمكى بالكرام، أجاب أن طرح الموسم يتجاوز المائة طن من البلطى ومثيلتها من البورى، بالإضافة إلى كميات سمك القراميط بجهد وفكر علميين، وأضاف د.مصطفى عطيه أن ما تم على أرض الواقع من ناتج الحدائق والمحاصيل الحقلية المختلفة بالإضافة إلى نواتج تربية المواشى والأغنام بالتغذية من أعلافنا كون مخرجات رائعة بيئياً تلقى الرواج والقبول بشكل احترافى محترم، ونتمنى توسيع تطبيق التجربة بشكل محكم فى مصر لأن نواتجه الصحية لغذاء المواطن، ونتائجه الاقتصادية ستكون فى متناول المواطن التقليدى نظراً لانخفاض التكاليف فى حالة التوسع بنفس الدورة الزراعية، وبمراجعة د. مصطفى حسين رئيس مركز بازل أشار أن القرية تعتبر الوحيدة من نوعها على مستوى الوطن العربى لحين اكتشاف المزيد من التجارب الموازية قيد البحث، لكن ينقصها بعض التفاصيل البسيطة بناء على برنامج بازل بالنسبة لنسب إعادة التدوير للمخلفات بمختلف أنواعها لنصل للصفرية المستهدفة من اتفاقية بازل صفر مخلفات مدن، لكن التجربة رائدة وينصح بتعميمها نظراً لاقتصادياتها الواعدة فى إطار الشح المائى العالمى.

تجربة تستحق الإشادة بحق والنشر بوعى لترتيب صفوف الفلاحين المصريين، وفتح آفاق جديدة للاستزراع السمكى الاقتصادى فى الصحراء، حيث تم التحكم فى تجربتنا فى نسب ملوحة المياه لأنها عذبة مع أقلمة أصناف الأسماك معها كالبورى، بالإضافة إلى أن تجربة الحوض الدائرى ذى الصرف الوسطى من مركز الحوض سهلت الكثير من الجهد المبذول فى تنظيف وتجديد مياه الأحواض عقب كل دورة موسمية لتربية الأسماك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: