Close ad

لم يكن في الحسبان

21-1-2024 | 16:35

ستكتشف يومًا أن بعض المفاهيم التي عرفتها لم تعد بمثل قوتها، على الرغم من كونها أقنعتك عمرًا وآمنت بها، ستعكف على تفسيرها وحل معادلاتها بطرق أخرى وستطبقها بخطوات مختلفة، ستجد أن ذاتك لم تعد تشبه ذاتك المنحوتة بتفاصيلها في أعماق أعماقك، سوف تلجأ للوقوف على مسافة واحدة أمام أغلب الانفعالات وردود الأفعال. 

ستتغير طريقة تفكيرك في تناولك وطرح حلولك للمشكلات التي سوف تواجهك رغم تشابهها مع ما فات، فأنت من قررت أن تراها اليوم بعيون غير العيون التي كنت ترى بها من قبل، حين كانت تتقلب عليك الأمور وتتعقد فتبادر بالإسراع نحوها بطيش وتلقي بنفسك في أعماقها، سيزداد سعيك وإصرارك على سرعة الوصول لإيجاد حل واتخاذ قرار، ستهتم بمعالجة الأشياء بما يضمن لك القدر الأكبر من تحقيق الأمن والسلام النفسي متلازمان، ستجد أنك لم تعد في حاجة للدخول في معترك أو صراعات جديدة كي تحصل على إقرار بصحة وجهة نظر ثاقبة لك أو إثبات ذات، ستتجنب الدخول لكل مكان يضج بالصراخ بالصخب والمهاترات. 

إن كنت على حق فإنك سوف تتخلى عن تكرار جولاتك في محاولة إقناع غيرك بما تفكر به أو تصوغه إلى كلمات، لابد أن بعضًا من النضج قد اعتراك وسكن عقلك، بعد أن هبط بأرضك وسارع بالطرق على كل الأبواب، أتاك حاملًا معه وصاياه التي سوف تبدلك وتعيد ترتيبك للأولويات من جديد، سيحميك من الوقوع تحت ضغط من تكرار محاولات البعض استفزازك، وجعلك تبالغ وتجاهر بالأقوال والأفعال، جاء ليهديك السلام، بعد أن عشت عمرًا تصارع أوهامًا وخيالًا. 

قم وانتزع خرائط مواجهاتك السابقة من يد الزمن، انهض كي تشعل فيها النيران، كفاك ما مر بك وما مررت به إياك ومحاولة الانتحار، اعلم أن الماضي الذي زج بك داخل دائرة الانفعال البغيضة سوف يتركك تقاتل وحدك وتواجه بمفردك جميع الجبهات. 

لم يعد هذا زمانك، ولم تعد الأولايات كالأخريات، حتى وإن بدت ملامح وجهك تشبه ملامحه القابعة في سجل الذكريات، إن قلبك الذي بين جنبيك الآن يناديك ليخبرك بأنه لم يعد كما كان، لم يعد يحتمل الصدمات في صمت ويمررها على استحياء لم يشعر بالرغبة في فعل ذلك ثم يعود ليلعن نوبات الخذلان، أعلم أن خطواتك قد ضلت طريقها في دنيا لا تشبه دنياك وضاعت معها بعض أحلامك ما بين ركام وحطام.

كم تمنينا أن نحتفظ بماضينا، كم رجونا الله أن يمكننا من استعادته بكل ما فيه من محبة استقرت في القلوب ومن رقة مشاعر فاضت فروت عطش عالم جدب لم يكن في قسوة عالمنا الذي نعيش أيامه وأعوامه الآن، كم تألمنا في كل مرة اضطررنا فيها للانحناء كي ننزع الأشواك من طريقنا، كم بحثنا عن طريق ممهد من حرير لنسلكه ونعبر منه بسلام، طريق آمن لا يخدش إحساسًا لأحد أو يجرح كبرياء. 

سنبقى هكذا نريد ونتمنى، نتخيل وننسج أحلامًا سنحاول اللحاق بأعمارنا التي تقودنا بسرعتها الجنونية دون استئذان أو سابق إنذار، أرى الماضي يمر بنا ضاحكًا على مجهودٍ مضنٍ قد بذلناه، مجهود لم نعد قادرين على تحمله الآن، مجهود لم يكن في الحسبان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: