Close ad
16-1-2024 | 16:51
الأهرام المسائي نقلاً عن

تلقيت خلال الأيام القليلة الماضية العديد من روابط أغاني الزمن الجميل مقترنة بتعقيبات مفعمة بالتفاؤل على مقال الأسبوع الماضي (غزلان الشعر)، عكست الظمأ الشديد إلى الفن الراقي المتكامل كلمة، ولحنًا، وصوتًا؛ وبلغة العصر (ثلاثة في واحد)، فضلاً عن إحيائها لذكريات ارتبطت بوجداننا.

وأشارت أيضًا، إلى جيل مؤسس جمع أرباب الكلمة من الشعراء، وابناء زرياب الموسيقيين، ومغنين امتلكوا حنجرة إسحاق الموصلي.

زمن كانت فيه القاهرة قِبلةَ المبدعين القادرة على منح تأشيرة المرور إلى الجماهير في أرجاء العالم العربي، أو كما جاء في نشيد (وطني حبيبي الوطن الأكبر) شعر أحمد شفيق كامل، ولحن محمد عبد الوهاب، وغناء مجموعة من الفنانين العرب عام 1960.

كانت القاهرة دائمًا وأبدًا شرارة الانطلاق بحكم قوى ناعمة تراكمت عبر قرون طويلة ساهم فيها موقع (فلتة)، بحسب وصف العلامة الجغرافي جمال حمدان، وكتلة سكانية أسست حضارة طاولت غيرها في أرجاء المعمورة، واستبقت محيطها في تأسيس نُظم حُكم راسخة صَاحَبَها حركات وطنية تفاعلت مع طبقات الشعب، إلى جانب معاقل للعلم اجتذبت ما حولها وما دونها من أقطار.

كانت القاهرة مغناطيس امتد مجاله إلى دوائر واسعة، فجذب رواد الفكر من شمال إفريقيا، والشام، والجزيرة العربية، وتنوعت إبداعات مفكريها وكُتابها على صفحات جرائد ومجلات أسسها لبنانيون؛ سليم وبشارة تقلا جريدة الأهرام (1875)، والشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) مجلة المنار، وأصدرت روز اليوسف (1898 – 1958) مجلة باسمها، ومن قبلهم أسس جمال الدين الأفغاني (1838-1897) جريدة (العروة الوثقى)، والذي كان على حد تعبير الأستاذ الكبير أحمد بهاء الدين (1927-1996) (يوزع السُعوط، "النشوق"، بيمناه والثورة بيسراه).

وكعادتها، هضمت القاهرة الثقافات كافة وانتجت رحيقًا خاصًا بها، منذ وعى أحمد ابن طولون قدرتها الفذة على ذلك فأنشأ مدينة القطائع لتكون حاضنة وبوتقة تصهر محتوياتها وتقدمه عصيرًا خالصًا رائقًا لا أثر فيه لغريب.

وكذلك فعلت بالفن، فغنى الجميع بتلك اللهجة القاهرية اللطيفة فتوهجت إبداعات فريد الأطرش، وأسمهان، وفايزة أحمد، ووردة، وصباح على مسارح القاهرة وخلف أبواق إذاعاتها وأمام كاميرات تليفزيون لم يكن متاحًا لدى الكثيرين من دول المنطقة.

حتى ذلك الثقل الفني المتنامي –آنذاك- في الشام، طاله تأثير مجالها الحيوي عبر مشاريع فنية تنوعت بين الأفلام والمسرحيات والحفلات الغنائية، فشدت فيروز من كلمات وألحان الأخوين رحباني (مصرُ عادت شمسك الذهبُ)، وتَسَلطن وديع الصافي مُغنيًا (عظيمة يا مصر)، ونور الهدى (سمارك يا فتى مصري)، وغيرهم.

سار الخط الفني موازيًا لنظيره الثقافي التنويري الذي شيدته القاهرة، وراح يتطور عبر عناصر قوتها الناعمة دينيًا ممثلاً في الأزهر الشريف، وتعليميًا في أروقة مؤسساتها الأكاديمية؛ جامعة القاهرة والإسكندرية، وثقافيًا عبر منابرها المقروءة والمسموعة والمرئية.

مناخٌ عامٌ ساهم في تفَجيرِ إبداعات الشعراء في ترصيص ونظم ولضم وتزجيج كلمات في قيمة حبات لؤلؤ أحمد رامي، وحسين السيد، ومرسي جميل عزيز، وعبد الفتاح مصطفي، وطاهر أبو فاشا، وفتحي قورة، وغيرهم كثير. يجاريهم في الإبداع موسيقيين من أمثال؛ سيد درويش، وزكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، ومحمد فوزي، وبليغ حمدي أو (عفريت الجن)، كما وصفه الشيخ سيد النقشبندي، سلطان المنشدين، تقودهم قاطرات حناجر أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وكبار المغنيين.

والآن سيدي القارئ، وتحت وطأة المساحة، تعالى بنا نختم مع موشح من كلمات وغناء وتلحين فؤاد عبد المجيد (1926-1994)، (عجبا لغزال قتال عجبا/ كم بالأفكار وبقلوب لعبا/ يخطو بدلال فيثير الشهبا/..).

يا إلهي.. الخطو على الأرض والإثارة في السماء.. أي غزال هذا ؟!.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة