Close ad
15-1-2024 | 16:36

"في نيويورك، وعلى بعد خطوات من مبنى الأمم المتحدة، اعتليت المنبر في صلاة الجمعة بالمسجد الكبير لأهز وقار الهيئة الأممية، طالبتها بالكف عن بيانات الشجب والاستنكار، وأن يكون لها دور حقيقي ومؤثر في النزاعات الدولية عبر الاهتداء بهدي القرآن واتخاذ الآية التاسعة من سورة الحجرات دستورًا عمليًا".

"في ندوة المركز الإسلامي بكندا عصرت على نفسي ليمونة، وقلت من تحت ضرسي إن الإسلام لم يحرم الهجرة، لكن على المسلمين أن يلتزموا بقوانين ولوائح دولة المهجر، فهم مهاجرون وليسوا غزاة…". 

هكذا جاء وصف الروائي "محمد بركة" لظاهرة ما زلنا غارقين بين منحدراتها، في وليده الإبداعي الحديث "عرش على الماء".

ورغمًا عن تحليق الرواية في سماوات حقب زمنية سالفة إلا أن عوادم التحليق ظلت مرسومة في السماء معتنقة السحاب حتى يعتقدها البعض غيومًا قابعة لم تنقشع بعد، حتى بفعل عوامل الانتفاضات البرقية والرعدية، وربما حالت بين صعود الدعوات التي لم نعد نمتلك سواها في ظل هذه الجرائم البشرية التي تمزق أرواحنا كل يوم، ولا تفرق بين رضيع وكهل على أرض غزة.

ويأتي رد فعل مجلس إدارة العالم من بارونات الديمقراطية والإنسانية والحريات المزعومة، معلبًا كما وصفه "بركة"، فلا يخلو من الشجب والتنديد والامتعاض دون القمع أو الوأد!

فضلًا عن تهجير الطاقات والعقول، وحلم الهجرة الذي بات جينًا متحورًا في الأجيال الراهنة بعدما تحول العالم إلى "بيت عيلة" في ميدان السوشيال ميديا على ناصية الفيس بوك، وانت طالع محور تويتر بجوار إنستجرام.

قدم محمد بركة روايته بطريقة جديدة، فلم يستسلم للديباجة المعهودة، أو لنموذج بناء العمل الإبداعي، فقرر تقديمها من خلال 40 ابتهالًا مفعمًا برائحة "جلال الدين الرومي" في العشق الأبدي، يأخذك كل ابتهال في منطقة منفصلة، ولكنها ليست بعيدة عن الخيط الدرامي الذي أصر على تضفيره بثلاث خصلات "الدين والسياسة والجنس".. وقبل أن تصيبك الدهشة المفرطة عزيزي القارئ، ويرتسم على جبينك سؤال جوهري: كيف يمكن لكاتب فتح هذه التابوهات الموقوتة في حبكة واحدة؟ سوف يتلاشى هذا التساؤل، وتجتمع كل دفوعك الفضولية للبحث عن الشخصيات الحقيقية لهذا العمل المتفرد! 

وحين تمعن في الكتابة سيقودك الطريق إلى شخصية بعينها، وكأن الكاتب حمل مصباحه وسط ليلة سرمدية صحراوية شديدة التجرد ليتقفى أثر هذه الشخصية الأسطورية التي حفرت في وجداننا بجلسته الشهيرة على المنبر عقب صلاة الجمعة في باحات الحسين، بزيه الأزهري وابتسامته الحانية، وتضبط نفسك متلبسًا وأنت تصرخ وجدتها وجدتها "أكيد الشيخ الشعراوي"!

وما إن تستأنف القراءة وترتطم روحك بابتهال جديد "اللهم لا أسألك رد القضاء في العشق، أو تغيير القدر في الغرام، بل أسألك التوفيق فيه".. فتجنح إلى منطقة جديدة يتجلى فيها العشق الإلهي والحب الصوفي الذي يرفض الوساطة بين المحبوب والحبيب، وبين الله وعبده، فالقلوب لا تقبل الوساطة، وملك الكون يستقبلك على عرشه بلا مراسم أو قيود، فأنت لا تحتاج إلا لنقاء الفطرة وصدق الدعاء في معطف اليقين.

وتأتي الخلطة الروائية للكاتب بمذاق متنوع وروائح مختلفة، فلم تقتصر المتعة على قراءة مفردات طازجة بحرارة الشغف في السرد فحسب، ولكن الجرأة تعتلي عرش كتابته، ولدينا حصيلة ليست بالهينة في مجال الإبداع، والغوص في النفس البشرية بعيدًا عن المسلمات البديهية، فكان "نجيب محفوظ" عملاقًا في في السرد، ولكنه كان مرتديًا سترة الحقب السابقة، بينما صنف "إحسان عبدالقدوس" بالمحارب؛ لأن أحداث رواياته تأتي دائمًا طازجة ومعاصرة، وكذلك الشاعر "نزار قباني" لم يكتب لأبياته تاريخ صلاحية؛ لأنها صالحة لجميع العصور والفصول، ولكن الرواية العربية منذ فترة أصابها نوع من الفتور؛ كالوجبات الصحية التي تقدم للمرضى في مستشفيات الخمس نجوم، ولهذا لم تعد مثيرة لشهية القراءة كما ينبغي، حتى جاءت رواية "عرش على الماء" لتقدم لنا كل ما لذ وطاب من العصف الذهني والنوستالجيا والاستمتاع بحصيلة لغوية ما بين "الكاجوال " و"الفورمال" وهو ما يتسق جملة وتفصيلا مع متطلبات العصر الرقمي الراهن.. قراءة هنية وإبداعًا مقبولًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة