Close ad

الثقافة والمستقبل

15-1-2024 | 13:28

كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والذي نشر عام ١٩٣٨، مر على نشره ٨٦ عامًا، حضر بفصوله وقضاياه أمامي في أثناء فعاليات الجلسة النقاشية التي تمت فعالياتها في مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بالقرية الذكية، التابع لمكتبة الإسكندرية منذ أيام، بحضور نخبة من العقول المصرية تحت عنوان "أولويات العمل الثقافي في المستقبل" برعاية الدكتور أحمد زايد مدير المكتبة.
 
كان كتاب د.طه حسين مشروعًا لثقافة المستقبل الذي تحلم به مصر، والغريب أننا عندما نقرأ هذا الكتاب الآن نجده كأنه مكتوب اليوم، فأغلب المشكلات التي طرحها د.طه حسين مازالت موجودة وقائمة ولم تحل حتى الآن، خصوصًا فيما يتعلق بكل مناحي الثقافة والتعليم بوجه خاص..، والنقاش المهم الذي دار في الجلسة النقاشية جعلني أعود إلى هذا الكتاب الفريد الذي يعتبر مشروعًا معاصرًا، ولا يزال يحمل أطروحات حية وقابلة للتنفيذ.
 
يمكننا تقسيم كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول: يدور حول هُوية مصر الحضارية: تكوين وبنية العقل المصري، والقسم الثاني: موقف الدولة من التعليم كوسيلة لتأكيد وتحقيق هُويتنا، وإجابة عن السؤال نفسه لكن بطريقة أخرى، وهو: كيف نكون في مقدمة الأمم؟ كيف نحقق الحضارة ونمتلك القوة والثروة ؟
 
كتابَ "مستقبل الثقافة" هو واحد من أهم الكتب التي ألّفها مفكر مصري عظيم في القرن العشرين، حول موضوع بالغ الأهمية هو علاقة الثقافة والتعليم بالهُوية الحضارية لمصر، وعلاقة الدولة المصرية بكل من الثقافة والتعليم، وارتباط كل ذلك بنهضة مصر واحتلالها المكانة التي تستحقها بين الأمم المتقدمة، ما زالت فكرة الكتاب الرئيسية، هي ما يتحاور حوله المثقفون والمفكرون حتى الآن، وما زالت الأسئلة التي طرحها طه حسين هي ذاتها الأسئلة التي نحاول البحث عن إجابة لها، لذلك في رأيي، ما زالت مصر في حاجة ماسة إلى كتاب "مستقبل الثقافة في مصر".

يرى مفكرنا الكبير أن مستقبلَ مصر متوقفٌ على مستقبل الثقافة فيه، ويرى أيضًا أن التعليم هو الذي يصنع الثقافة المجتمعية، وقد حلل د.طه حسين وضع التعليم، ورصد الإشكاليات بشكل دقيق ووضع لها حلولًا، لكن للأسف لم ينفذ منها إلا القليل، تحدث أيضًا عن مشكلات ما زلنا نعاني إلى الآن منها مثل: رواتب المدرسين، تكدس الفصول بالطلبة، والمناهج التعليمية، وأن تتم دراسة اللغة العربية بشكل أفضل، فانقطاع المصري عن دراسة اللغة العربية هو انقطاع عن بلده وتراثه وهويته، تحدث أيضًا عن الجامعات، وأنه يجب إنشاء مجلس للتعليم الأعلى، وإلغاء امتحانات النقل، ويجب الاهتمام بمكتبات المدارس، وضرورة اشتراك التعليم العالي في تنظيم التعليم الثانوي، ويجب أن يتزود الطالب باللغات الأجنبية، وقصر تعلم النحو على القدر الضروري وعرضه في صورة أدبية، والاهتمام بالتربية البدنية، والاهتمام بالبعثات للمدرسين، وضرورة أن تستقل الجامعة ماليًا وعلميًا، وناقش أيضًا وضع المدرس أو المعلم، الذي يسميه المؤدِب، وطالبَ الدولة بأن تُصلح الوضع المادي له، وتُعلى من شأنه وكرامته وإنسانيته، وأن تُعده إعدادًا جيدًا ليستطيع إتمام مهمته، فالتلميذ يذهب له كمادة خام، هو من يشكلها ويشكل مستقبلنا معه، ويضع عميد الأدب العربي أيضًا خططًا لتثقيف المجتمع، ويرسم سياسته للاهتمام بالمسرح والسينما والإذاعة والصحافة، لافتًا إلى أهمية دور الدولة في دعم البحث العلمي والنشاط الفكري..
 
وعلى الجانب الآخر، وبشكل متوازٍ، أكدت الحلقة النقاشية التي استمرت طوال اليوم عدة نقاط أهمها؛ أن الأمية تمثل خطرًا على مصر، تحقيق التنمية والثقافة مرهون بإصلاح التعليم، النخب الثقافية تواجه أزمة كبيرة باعتقادهم أن لديهم تأثيرًا، المطالبة بحلول عاجلة لربط الثقافة بالتعليم، أهمية دور الثقافة في الحداثة والتي تتضمن عددًا من الأبعاد كالهوية وتعبئة الموارد القومية، ومشاركة الشباب، وقضية الصناعات الثقافية، وغياب المتخصصين عن رصد مسار مشاريع الإصلاح الثقافي، وإن مصر الثقافية كانت حاضرة بقوة منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى قبل وضع الإستراتيجيات أو إنشاء وزارة الثقافة، ومن الظلم أن يترك العمل الثقافي الآن على وزارة الثقافة وحدها، فهذا يحتاج إلى تضافر جهود عدد من الوزارات، والعمل على ترتيب أولويات العمل الثقافي.
 
انتهى النقاش على ضرورة التكاتف من أجل تحديد أولويات العمل الثقافي في المستقبل..

وعلى نفس الصعيد، اختتم الدكتور طه حسين آخر فصول كتابه بعنوان "حلم وأمل"، وأكد فيه أن مصر خليقة بأن تنتصر على العقاب في طريقها، وترد إلى نفسها مجدها القديم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة