Close ad

حكايات من الواقع.. الصبر العظيم

14-1-2024 | 14:33
حكايات من الواقع الصبر العظيمأرشيفية
خالد حسن النقيب

شيء من أمل يسكن قلبي لعله إحساس أخير أتعايش به مع الأيام قبل أن تغادرني‏،‏ أبحث به عن زمن مضي طويلا حتي هرم قلبي معه حرمانًا وشوقًا لقطعة مني انتزعها القدر قسوة وتجبرًا قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا‏..!‏

موضوعات مقترحة

وقتها كنت في منتصف العقد الثالث من عمري أعيش أطلال تجربة إنسانية صعبة بدأت بعاطفة جميلة وانتهت بزواج فاشل اعتركته الأيام سريعا وخرجت منه بعد أقل من عامين وأنا موصومة بالنقص والعجز عن أن أكون أما, أجل غادرني زوجي وقتها أملا في أن يكون أبا من غيري وفشلت مشاعرنا في أن تقنعه بالصبر علي حالنا وأن الولد رزق من عند الله يرزقه من يشاء ويجعل من يشاء عقيما.

انتهت حياتي معه وعدت للعيش مع أمي التي لم يكن لها غيري فأنا ابنتها الوحيدة وسندها في الحياة بعد وفاة والدي ومرت الأيام ثقيلة سهاد ليلها تضن علي وسائدها بالنوم ضيقا ويأسا حتي التقيت بشاب كان تعارفي به في إطار أسري فله بأمي صلة قرابة بعيدة وفوجئنا به يأتينا يوما بمبلغ من المال يقول إنه نصيبنا في ميراث عائلي من قطعة أرض مشاع تم بيعها وتقسيم ثمنها.

في البداية كانت علاقتنا تبدو عادية إلا أن حضوره وشخصيته الودودة كان لهما تأثير غريب علي فقد هجرت سهادي وحيرتي وتسرب اليأس مني لأمل جديد انغرست بذوره في قلبي وانشغلت له نفسي, أيقنت مع الوقت أني أحبه بكل جوارحي وأنتظر زيارته لنا كل أسبوع كما اعتاد المجيء ولم يكن يشقيني غير خوفي من أن لا يبادلني حبا بحب أو أن يكون مرتبطا بأخري ولكن مشاعره التي كان يصدرها لي في ود وحنان لم تكن غير أحاسيس رجل اعتبر نفسه مسؤولا عن امرأتين من عائلته لا رجل لهما ولا عائل, ولم تدم حيرتي طويلا فقد بدد القدر خوف نفسي في لحظات كانت ملؤها التوتر والقلق علي أمي التي أوقعها المرض ولم أجد غيره يغيثني ويصحبنا إلي المستشفي, في الوقت الذي كانت فيه أمي تعبر أزمة صحية صعبة كان هو يعبر خجله وحيائه ويخبرني بمشاعر كتمها في نفسه طويلا ولم يعد قادرا علي إخفائها وطلب مني الزواج تتويجا لهذه الأحاسيس..!

أرجأته ردي متحججة بظروف أمي الصحية ولكن في حقيقة الأمر كنت في حاجة لأن أستجمع شتات نفسي وأستوعب ما سمعته منه, بضع أيام مضت وكأنها لم تمضي بالزمن بضع دقائق خرجت خلالها أمي من المستشفي وارتميت في حضنها أبكي مشاعري وخوف من ضياعها فقد اجتاحني هاجس زلزل كياني أني امرأة لا تصلح للحب أو للزواج وأن الأقدار كتبت علي أن أعيش رهن تعاستي ما امتد بي العمر حتي أفارق الدنيا فأنا امرأة عاقر لا ذرية لها وأي رجل يمكنه أن يربط حياته بامرأة لا عقب لها..!

و لكن أمي أراحتني بكلمة كانت فاصلا بين ظلام استقرني ونور أشرقت روحي معه, قالت النصيب غلاب يا بنتي وبالفعل غالبت مشاعر اليأس في وأجبت حبيبي طلبه ولكن بعد أن أخبرته بحقيقة أنوثتي المنتقصة فما كان منه إلا أن قال لي دعي الأمل ينمو في داخلك يقينا وإيمانا بقدرة الله عز وجل تدب الحياة في أحشائك نبت خير بقدرته سبحانه وتعالي.. وأتممنا الزواج لا تسعني دنياي الجديدة سعادة وحبا وكأن الله سبحانه وتعالي كافأني لصبري واحتسابي حياتي السابقة وما عشت فيها من ألم وعذاب, وكان فضل الله بي عظيما عندما تحقق الحلم المستحيل ودبت الروح أحشائي وليدا وُلدت معه روحا جديدة تعرف الدنيا لأول مرة أما لم يكن لها في يوم من الأيام أن تحلم بهذة النعمة يختصها بها الله ولكنها قدرته عز وجل..!

تلونت حياتي ببهجة الصغير أتي إلي الدنيا من أجلي دعوة دعوت الله بها في جوف الليل منكسرة ذليلة طريدة من حياة الرجال لأني أرض بور وها هي الأرض قد خصبت وأثمرت براءة هي الحلم بات واقعا.

كنت وزوجي نبذل الحب جهدا متواصلا لرعاية ابننا تربية وتعليما وحنانا يلطف من حوله قسوة الحياة حتي كبر شابا يافعا نضرة القوة تملأ وجهه وبدنه, متفوقا في دراسته الجامعية حتي تخرج في الجامعة وكان من العشرة الأوائل ما أهله للسفر في بعثة للخارج, وبقدر الشيب يملأ رأسي رجوته أن لا يغادرني فهو سندي الوحيد في الدنيا فقد رحلت أمي من زمن ورحل زوجي منذ أعوام قبل أن يفرح بنجاحه ولم يعد لي أحد غيره ولكن طموحه ورغبته في السفر كانا أكبر من توسلات شيبي وهرمي..!

مضي عني يلهث وراء أحلامه يظلله الدعاء مني ويحميه شر الطريق وبقيت ووحدتي أستعذب الصبر اشتياقا وقلقا لا يرو عطش قلبي غير اتصال يجريه معي ابني كل أسبوع استمد منه رحيق الحياة وزيارة لا تتجاوز شهرا يقضيها معي كل عام وعام بعد عام أخذت المكالمات والزيارات تتناقص فقد انشغل بحياته في بلد مهجره واشتغل وتزوج هناك حتي دون أن يمنحني فرحة عمري بيوم زواجه ولا أن ترتسم السعادة علي وجهي بقدوم أول حفيد لي..!

لست ناقمة عليه بل أدعو له بالسعادة في حياته ولكنه لم يكلمني أو يأتي إلي منذ فترة طويلة فزوجته لا تحب المجيء إلي هنا, ولكني أعيش علي أمل ينتظر مقدمه يوما وكل ما أخشاه أن تخرج الروح مني دون أن ألقاه ويرتوي قلبي به, لن أقنط من رحمة ربي الذي وهبني الله إياه بعد عجز أن يمنحني فضل رؤيته قبل الرحيل.

ن . س

ما أقسي ما مررتي به سيدتي علي مدار مشوار حياتك ولعل معني الصبر مجردا لهو عنوان تاريخك مع الدنيا احتسابا وإيمانا ولأن قلبك عامر بالإيمان الصادق واليقين بحكمة المولي عز وجل في كل مقدراته كانت إرادتك أقوي من كل الصعاب وانتصرتي علي سياج اليأس يساور أيامك فحطمته صبرا وقوة وبعد أن أدمي القدر أقدامك في مستهل العمر امتد الطريق أمامك وثيرا زاهرا ظللته أغصان الحب يطرق باب قلبك من رجل كريم هو العوض والسند وطفل كان هبة من رب العزة نتاج صبرك وتدليلا علي قدرة الله ورحمته الذي بدل العجز بأسباب قدرته وليدا كبر وبات رجلا يملأ الدنيا بشبابه ولعله في رأي كان عليك أن تمري باختبار أخير لهذا الصبر العظيم والإيمان الراسخ في قلبك الذي لم يحتمل غياب الابن الوحيد ولست معك في افتراض عقوقه وغدر ابتعاده وجفائه فلكل ظروفه في الدنيا لا يعلمها إلا الله ولكن دعيني أقول لكي ألم يكن يسرك أن تريه ناجحا في حياته, أليست سعادته من سعادتك ؟

ربما أخذته الغربة شيئا ما ولكنه سوف يعود لرشده حتما فبالتأكيد أقمت أنتي وأباه علي تربيته تربية صالحة ولعله يدرك قول الله تعالى "و وصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن, وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" لقمان14-15.

وما جاء في الآية 15 من سورة الأحقاف عندما قال تعالي "ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا"

و من هنا ندرك قيمة الأم التي حملت كرهاو لكنها عاشت من أجله عمرا ألا يحق لها برها والتماس رضاها ولسوف يعي ابنك هذا ولسوف يأتيكي حتما وتريه حلما واقعا فلا تيأسي من عودته أو من رحمة الله.ش

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة