Close ad

اكتم عن الناس ذهبك وذهابك ومذهبك

9-1-2024 | 16:14
الأهرام المسائي نقلاً عن

قال الإمام بن الجوزي: «اكتم عن الناس ذهبك وذهابك ومذهبك»، تأملت الجملة وربطتها مع واقع الحياة وجدتها أصدق جملة على الإطلاق، وتفسير ذهبك: كل نعمة أنعم الله بها عليك ونعم الله لا تحصى عددًا، والنعم والرزق يختلف من شخص لآخر ويختلف تقييم وتقدير الشخص له، فالبعض لا يعرف شيئًا عن النعم إلا ما تُرى بالعين، ولكن النعم بحق هي الرزق الخفي والرزق المعنوي الذي قد لا يُرى بالعين، ولكن تشعر به ويشعر به البعض أيضًا، فرزق الرضا والقناعة وراحة البال والسكينة كلها لا تقدر بمال، والغرض من كتمان الرزق ليس فقط لأنك مُعرض للحسد، بل لأنه سيجلب لك الحاقدين، لأن طبيعة النفس البشرية هكذا، يشعر البعض بالغيرة والحقد والغل تجاه من يشعرون بنعم الله عليه، وخاصة عندما لا يستطيع أن يمتلكها، فكما قيل كل ذي نعمة محسود.

 
أما ذهابك: أي كل ما تنوي فعله وكل خطوة تخطوها بحياتك أيا كانت ماهيتها، ومع مواقف الحياة تأكدت من صدق ذلك، فبعض أنواع من البشر عندما تشرع في أمر ما يسعون لإفساده وعدم إتمامه، والبعض الآخر يحاول الكيد لك لعدم إتمام الأمر، بخلاف عندما تخبر أحدهم بما تنوي القيام به ولا يتم سيعرضك ذلك للشماتة وما أشد شماتة الأعداء!
 
وأما مذهبك: أي رغباتك واتجاهاتك وعقيدتك، ولا تعطي نصيحة إلا لمن يطلبها، ولا تتحدث عن نفسك كثيرًا وعن حياتك، فكل ذلك لا يُجلب لك إلا المشقة والمتاعب، فالنفوس ليست كلها سليمة، وليس الجميع يتمنى لك الخير، فالبعض يحمل نفسا خبيثة والبعض الآخر بداخله حقد ويحمل قلبًا لا يتمنى الخير لأحد، وأنت لا تعلم نوايا من تصادفهم خلال رحلة حياتك، فليس الكل يتمنى لك الخير، وليس الكل يُظهر عكس ما يبطن، فهناك من هو حلو اللسان تشعر عندما تحدثه بأنه سليم القلب، وإذ مع الوقت تراه في المواقف عكس ما أظهر لك.
 
فحقيقة من حولك لا يعلمها إلا الله فاتبع دائمًا إحساسك واستفتِ قلبك، وحدها الأفعال والمواقف التي تثبت صدق إحساسك، فالغضب والخصام غير فاضح لحقيقة من حولك، وحدها الأفعال من تكشف لك نوايا من حولك، فطبيعة النفس البشرية معقدة، وكلما تعمقت فيها فهمت الناس، واستطعت أن تقرب من يستحق وأن تبعد من لا يستحق، وقد حدثنا الله سبحانه وتعالى عن بعض أنواع من البشر نصادفهم خلال رحلة حياتنا «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ» صدق الله العظيم، فهناك من يقترب منك محاولة النيل منك، وهناك من ينصحك كنصيحة إبليس لآدم عليه السلام هل أدلك على شجرة الخلد، وهناك من يكن لك الحقد والغل لمجرد أنك شخص ناجح ومميز، وهناك من يكيد لك لفشله في أن يصبح مثلك، فستصادف الكثير والكثير وستعلم حكمة الله في خلقه ولله في خلقه شئون، وفي نهاية الأمر ستعرف أن ليس حقيقة الناس بما يظهرونه لك، بل بما يفعلونه من مواقف وأفعال، فقد يجيد البعض الكلام، ولكن تفضحه الأفعال، وفي النهاية ستجد أن القرب ممن تشعر أنهم يخافون الله وماعدا ذلك فكن حذرا حتى لا تدفع ثمن اختياراتك.
 
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: