ذهب ولي الدين بن خلدون (ت808هـ/ 1405م) إلى أن البداوة مرتبطة بالمجتمع القبلي وحفاظ أفراده على جُملة التقاليد والعادات المتجذرة فيه، واتفق معه ابن منظور(ت 711هـ/ 1311م) الذى سبقه فى لسان العرب على أن البداوة نقيض الحضارة، والشائع أن البداوة هي صفة للتجمعات البشرية غير المستقرة في المدن (الحضر)، والتي تميزت باعتمادها على الغزو، ثم الرعي في تأمين قوتها، والتجمع البدوي قائم في الأساس في تشكيل القبيلة وتميزها عن قبيلة أخرى، فالأصل في كل قبيلة أنها تعود إلى جد واحد.
كان للحقبة السابقة للإسلام خصوصيتها المميزة من حيث المنحنى والتوجهات السياسية، حيث أن موطن العرب قبل الإسلام ذات صفة متباينة في المناخ والتضاريس، وهذا الاختلاف جعل منه موطناً متعدد الخصائص وذا نظام معين.
وإن النظام السياسي في القبيلة العربية بشكل خاص وفى الجزيرة العربية بشكل عام قبل الإسلام لم يخضع لسلطان دولة، ولم يكن له نظام موحد يسير عليه ويتبع قواعده وكان لطبيعة معيشتهم وقسوتها الأثر البالغ في ذلك، فضلاً عن عدم وجود شخصية قوية تملك من المؤهلات وقوة البديهة واتساع الأفق ليكون قائد المجتمع العربي كما فعل الرسول ﷺ.
ومن تلك القبائل العربية التي أثرت في مجريات الأحداث للعرب قبل الإسلام وبعده قبيلة خولان اليمنية التي سكنت صعدة وصنعاء.
وقد ألقت الدكتورة مشاء الله شنشان الضوء في كتابها الجديد "قبيلة خولان اليمنية منذ فجر الإسلام إلى نهاية العصر العباسي الأول 10هـ - 232هـ/ 631م – 846م" الذي صدر مؤخراً الضوء على الدور السياسي والحضاري لقبيلة خولان منذ فجر الإسلام حتى نهاية العصر العباسي الأول.
بدورها تقول الدكتورة مشاء الله شنشان أن قبيلة خولان سارعت في الدخول إلى الإسلام دون تردد أو تأخر، حيث أرسلت وفدًا إلى رسولﷺ في عام 10هـ، وهو المعروف تاريخيًا "بعام الوفود"، وأعلنت قبيلة خولان إسلامها أمام الرسولﷺ، وعادت إلى موطنها وقامت بهدم صنمهم إلا أن بعضهم قد ارتد بعد ذلك.
وقد شاركت قبيلة خولان بعد اعتناقها الإسلام في الفتوحات الإسلامية، حيث استجابوا لدعوة الخليفة أبى بكر الصديق كغيرهم من القبائل العربية في الخروج للجهاد فكان اتجاههم أولاً نحو الشام، كما شاركوا في فتح مصر مع القائد عمرو بن العاص وفتح باقي الأمصار في مصر مثل فتح الصعيد، واستمر تقدمهم في الفتوحات بعد ذلك فشاركوا في فتوحات المغرب والأندلس.
بدورها تقول الدكتورة مشاء الله شنشان أن الدور السياسي لقبيلة خولان في الأمصار الإسلامية، فقد كان لأبنائها دور هام وبارز في الأحداث السياسية في الدولة الإسلامية، ومع ذلك فإن موقفهم اتجاه الحكومة الإسلامية باختلافها من عصر لأخر سواء كان راشدى أو أموي أو عباسي كان موحد ليس كغيرهم من القبائل الأخرى، وإن اختلف قليلاً في بعض المناطق، ولكنها تعد قلة لا تذكر وفى نهاية العصر العباسي الأول .
كما رصد الكتاب الأثر الحضاري لقبيلة خولان فى الأمصار المفتوحة، فمن الناحية الإدارية أمدت قبيلة خولان الدولة بقادة إداريين وسياسيين بارزين أسهموا في إدارة الأمصار فقد تقلدوا العديد من الوظائف والمناصب من عهد الخلفاء الراشدين حتى نهاية العصر العباسي الأول، تلك المناصب مكنتهم من فرض نفوذهم ووجودهم فى هذه الأمصار، وقد استطاعوا من خلالها إظهار كفاءتهم ومن هذه المناصب الولاية، والشرطة، والكتابة، والقضاء.
ودليلاً على ذلك تولى عكرمة بن خولان وظيفة صاحب الشرطة فترة طويلة من الزمن، وهذا دليل على ما كان يتمتع به من أداء هذه الوظيفة. وقد ساهم القضاة من خولان بدور بارز، ومنهم ابن حجيرة الذي كان له دوراً في إصدار الكثير من الفتاوى. وأثبت بأعماله خصوبة ذهنه ورجاحة عقله .
واهتمت الدراسة الخاصة بالقبيلة بإبراز إسهاماتها في الحياة الاقتصادية قبل الإسلام وبعده وذلك من خلال نشاطهم الزراعي في الأمصار المفتوحة من خلال حركة الارتباع كنموذج بمصر، ومساهمتهم البارزة في العديد من الحرف والصناعات التي تميزت بها خولان دون غيرها من القبائل الأخرى، كما اتضح دورهم التجاري بإقامتهم الأسواق ومشاركتهم فيها.
وعلى صعيد آخر اهتمت قبيلة خولان بالجانب الاجتماعي وعقد المصاهرات، فقد حرص الولاة على عقد العديد من المصاهرات مع خولان فكانت سبباً في مساندة هؤلاء الولاة ورؤسائهم.
والدليل على ذلك المصاهرة التي تمت بين والى مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري وأروى بنت راشد الخولاني.
وتطرق الكتاب إلى الحديث عن الآثار العمرانية فى البلاد المفتوحة فإنه من الطبيعى أن ينقل الخولانيون معهم ما يحملون من إرث طموح في التمدن والإعمار في الأمصار المفتوحة التي استقروا فيها، وبخاصة مصر والمغرب والأندلس ، وتجلى هذا الدور فى بناء المساجد والقصور والفسقيات والقلاع كقلعة خولان الموجودة بالأندلس حتى الآن.
وجاء الفصل الأخير للكتاب كمحاولة لتتبع الآثار الثقافية والعلمية لقبيلة خولان في الأمصار الإسلامية، ورصد أبرز الإنجازات في هذا المجال من خلال أبرز العلماء فى كل علم، حيث كان لهم الأثر الأكبر في نشر العديد من العلوم مثل علم الفقه والحديث والتفسير والكلام والإضافة إليها وتوصيلها للأجيال اللاحقة بشكل أفضل يمكن الاعتماد عليه والإضافة إليها.
والكتاب الذي نشرته " دار تموز ديموزى السورية" كان في الأصل أطروحة للباحثة مشاء الله شنشان للحصول على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي من كلية الآداب جامعة القاهرة، وفى النهاية لن نستطيع إغفال الدور العظيم الذي قامت به القبائل العربية، ومنها قبيلة خولان بعد ظهور الإسلام من فتوحات للأمصار، ونشر العلوم الدينية والتي بدورها استقرت في تلك الأمصار ولازالت آثارها المادية والمعنوية موجودة حتى الآن.
كتاب قبيلة خولان اليمنية منذ فجر الإسلام إلى نهاية العصر العباسي الأول
الدكتورة مشاء الله شنشان