Close ad
8-1-2024 | 10:38

قدمت لنا الدراما المصرية العديد من الأعمال ذات الصلة بملفات الجاسوسية وإنجازات جهاز المخابرات التى تتألق في أزمنة الحروب والأزمات، ومن أبرز ملامح تلك الأعمال مسلسل دموع في عيون وقحة 1980 بطولة الزعيم عادل إمام وإخراج يحيى العلمي، وقدم شخصية الجاسوس  "جمعة الشوان" واسمه الحقيقي "أحمد الهوان"، ولعب دورا هاما بعد نصر أكتوبر بين المخابرات العامة المصرية والموساد الإسرائيلي، ومازلنا نتذكر كيف استخدم الإسرائيليون جهاز كشف الكذب كأحد متطلبات القبول لتجنيد اي جاسوس، وقامت من قبلهم المخابرات بتدريب "الشوان" على المرور من هذا المحك ببراعة، فضلا عن مسلسل "رأفت الهجان" الذي قام ببطولته العبقري الراحل محمود عبد العزيز، وكان اسمه الحقيقي "رفعت الجمال"، وهو أيضا تعرض لمرحلة جهاز كشف الكذب قبل أن ينضم الى اللوبي الإسرائيلي ويعيش وسطهم لسنوات عديدة استطاع خلالها القيام بواجبه الوطني على أكمل وجه، واستفادت مصر من جهوده..


وعلى الرغم أن هذه الأعمال جاءت في حقبة الثمانينيات إلا أنها ما زالت راسخة في وجداننا الوطني ولم يتلاشى تأثيرها مطلقا بعد الضجيج الذي أثارته أثناء العرض لأول مرة على شاشات التلفزيون، وكان الجميع يلتف حول المسلسل، بينما تخلو الشوارع من المارة، وهكذا حال شعبنا العريق دائما ما ينضح جبينه بالفخر حين يتعلق الأمر بالمواطنة والهوية.


ومنذ ثلاثة أيام نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية: أن نيتانياهو أعلن عقب الاجتماع الأخير للحكومة عن اعتزامه لوضع قانون يجبر فحص أي مسئول في الحكومة، وخاصة من يختص بقضايا الأمن القومي، من خلال جهاز كشف الكذب!


وأضاف أنه لدينا وباء من التسريبات، وأنه غير مستعد للاستمرار هكذا.. وفقا لما بثته القناة 12 الإسرائيلية أثناء التغطية الإخبارية بشأن الموقف من غزة في مرحلة ما بعد الحرب.


وهو ما أصابني بدهشة لا متناهية الأبعاد، فهذه المرة الأولى منذ سنوات طويلة نسمع فيها مصطلح "جهاز كشف الكذب" والأغرب أنه هذه المرة ليس للجواسيس أو للتجنيد، ولكنه لمسئولي الحكومة الإسرائيلية ذاتها!! 


ياللهول بصوت عميد المسرح العربي يوسف بك وهبى!! واجده مؤشرا هاما على رداءة الأوضاع الداخلية هناك، ويبدو أن نسيجهم الداخلي أصبح مهترئا.


والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل سيفيد هذا الإجراء في قياس المصداقية ومعدلات الوطنية؟! هل يمكنه قياس الضعف والقوة؟! أو الشجاعة والجبن؟! والأهم من هذا وذاك ألم يتعلم حكماء صهيون من ذي قبل؟! إذا كان الجواسيس تم فحصهم ومروا بسلام وشرب الموساد أكبر مقلب فماذا عن ذويهم أو أهل الدار أنفسهم؟!


وهنا أيضا إشارة إلى أن المدعو نيتانياهو يحتضر في الرمق الأخير، وكأنه يبحث عن "قشة" ليتعلق بها مبررًا كوارث حكومته وفداحة قراراته، بل ووقاحة سياسته.


وإذا تقبلنا فرضية أهمية هذا الجهاز ومصداقيته، علينا أن نستفيد منه في مناحي الحياة، كأن يتم سن قانون بحتمية وضعه في المحال التجارية لنتخطى جرائم الغش التجاري، ويفحص أيضًا جميع الموظفين الذين يقدمون خدمات للمواطنين للتخلص من مقولة "فوت علينا بكره يا سيد" أو"عند مدام عفاف اللي في الرابع"، بل ويصطحبه كل مأذون ليفحص به الزوج والزوجة للتأكد من مصداقية ارتباطهم فتتأكد مقولة "حتى آخر العمر"، وربما في المحاكم أيضًا للتسهيل على المحققين، وكذلك على الشهود بدلا من القسم والشهادة الزور على طريقة "قالوا للحرامي احلف".


وقد يعلو سقف الطموح بنا حتى أن تقوم شركة "أبل" بوضعه ضمن تطبيقات الساعة الرقمية كتطبيق قياس نبضات القلب ومعدل الأكسجين في الدم ومعدلات الحركة والمشي، ويتم تفعيل تطبيق كشف الكذب أثناء المصافحة مع الآخر، وتصدر لنا الساعة جرسًا أو لونا يعبر عن الصدق وآخر عن الكذب، وهنا تصير الحياة في منتهى البساطة خالية من الخيانة والكذب والخداع والنفاق وقصص الإحباط المتكررة لدى البشر أثناء رحلتهم الحياتية المؤقتة.


تخيل معي أن يصافح شخص صديق له ويقول: وحشتني.. لترد الساعة "كذاب"!! أو أن يقول زوج لزوجته أنت أجمل من رأت عيني.. وتصيح الساعة "كذب"!! وتروق لي كلمات جورج برنارد شو: عقاب الكاذب ليس بألا يصدقه أحد، لكن بأنه لن يصدق أحدًا.

كلمات البحث
الأكثر قراءة