Close ad

على ضفاف نهر الأفاعي!

6-1-2024 | 07:27

 

..وكانت لنا أيام فى بلاد العم سام
بدعوة كريمة من وزارة الثقافة صاحبْت الوفد الإعلامى المرافق لفرقة الحرية للفنون الشعبية فى مهرجان ثقافى بولاية إيداهو حيث توفى الأديب الأشهر إرنست هيمنجواى.. إنه موسم "بيرلى/ ركسبيرج" السنوى لتكريم الروائى العظيم.. 

موسم ينعقد منذ عام 1985 يجمع الفنانين والموسيقيين والراقصين بصحبة رجال الصحافة والإعلام فى ملتقى فنى ثقافى ومهرجان رائع يمثل بوتقة لالتقاء مختلف ثقافات العالم معاً.. وكانت لنا فى هذه الولاية الجميلة أيام لا تمحى من سجل الذكريات..

مدينة الفنون وجنة البطاطس!
 
أخذتنا المشاهد الخلابة فى تلك المدينة الرائعة حتى كدنا ننسي ما جئنا لأجله.. فالراقصون والفنانون يتلاشون أمام المدينة الجبلية الخضراء.. مدينة عجيبة رغم جمالها الخلاب لم تمنع هيمنجواى من قتل نفسه ببندقيته تحت تأثير حالة الاكتئاب المزمن فى أواخر أيامه.. فما حكايتها؟
 
إنها مدينة ركسبيرج بولاية إيداهو الممتدة بلون أخضر يكسو أرضها الخصبة، ومشهد الغروب بها مشهد فريد يسحر الألباب. إنها بحق مدينة الفن؛ فن خالص غير مصبوغ بأى لون من ألوان السياسة، بل هو حر مجرد من أى هوى سياسي أو اجتماعى، فقط جداريات من وحي المكان الساحر البديع.. ولأنها تجمع بين الفن الراقى وخصوبة الأرض الزراعية والحدائق سميت "مدينة الفنون وجنة البطاطس"! فالبطاطس والقمح من أهم حاصلاتها الزراعية، وهى ملأى بقطعان الماشية والخيول؛ فتجمع بذلك بين سحر الريف ومدنية الفنون وروعة الطبيعة البرية فى مزيج قلما وجدته فى مكان واحد.

 جئنا لأجمل قطعة من ولاية إيداهو البهية.

الغريب أن أهم مزاراتها السياحية ليست إلا مناظرها الطبيعية الفريدة الخلابة وفى مقدمتها مجموعة فوهات البراكين والمحمية الطبيعية والمتحف فى مدينة بويز.. 

ولعل أجمل ما بها مجموعة البحيرات والأنهار العذبة صافية المياه ومنها نهر سالمون وسيلواى وبحيرات كوردوإيلين وبند أوريل، ولعل أجمل وأغرب تلك المسطحات المائية جميعاً نهر الأفاعي snake river.. كلها تقع على سفوح الجبال المنتشرة بأطراف الولاية..

عاصمة إيداهو مدينة بويز Boise أكبر مدن الولاية وأهمها..

بينما أقام هيمنجواى منزله بعد عودته من كوبا منتقلاً منها إلى مدينة كيتشام بمقاطعة بلاينى بإيداهو على ضفاف نهر بيج وود.. وبينما ولد الروائى الكبير ونشأ بوسط أمريكا فى أوك بارك بولاية إلينوى، انتهى به المطاف فى الشمال الغربي بإيداهو بعد أن هجر بيته المشهور بكوبا المسمى "فينكا فيخيا" ليصبح مزاراً للسياح والمعجبين..

فى صحبة دونا بن فيلد!
 
مصر كانت ضيفة شرف المهرجان الأمريكى فى هذا العام.. وسمعنا كلمات الثناء تحفها عاطفة واضحة من رئيسة المهرجان دونا بن فيلد وقد أعجبها أداء فرقة الفنون الشعبية المصرية وبخاصة رقصة التنورة التى تحظى بإعجاب الأجانب كما هو الحال فى مصر والشرق.

لسنا بحاجة للتماهى مع الفنون الغربية لنبهرهم بما برعوا هم فيه، بل باستطاعتنا إبهارهم ونيل إعجابهم بما نبرع نحن فيه.. مثل هذا الاحتكاك والتفاعل الإنسانى والثقافى والفنى جعلنا مقتنعين أن الخروج من شرنقة التبعية والتأثر يأتى من ثقتنا بأنفسنا وبقدرتنا على التأثير حتى فى البلاد المتقدمة لو أننا تمسكنا بتراثنا الفنى وأتقنا الأداء فيما نحسنه.

لم يكن مهرجانا كبيراً ضخماً، بل هو مهرجان محلى بسيط؛ لهذا أقيمت الفعاليات فى مدارس المدينةـ والملاحَظ فى أسماء الشوارع والحدائق أنها ذات أسماء انطباعية لها وقع لافت على المسامع كحديقة الأقدام السوداء.. كأن لكل ركن حكاية ولكل شارع قصة لا يمكن التحقق من أصلها إلا أن تكون من سكان تلك المدينة.. سرنا (أنا ورفيق الرحلة أمير نبيه وكيل وزارة الثقافة) بصحبة دونا بن فيلد من قاعة المهرجان إلى ستاد ركسبيرج الرياضى فإذا بها لا تستنكف أن تقطع حديثها معنا لتلتقط نفايات من الطريق لتنحيها جانباً، أو تقف قليلاً مع متشرد تنصحه بشيء ما، حتى ظننا أنها ربما راهبة فى دير أو مصلحة اجتماعية تنتمى لمنظمة محلية ما!

كان أكثر الحديث يدور حول هيمنجواى وروايته الشهيرة "العجوز والبحر"، بينما ذاكرتهم عن الأديب الكبير تقتصر على العامين الأخيرين من حياته عندما ترك كوبا مضطراً ليقيم فى إيداهو.. ولهذا قصة..
 
هو وزوجاته الأربعة!

من الطبيعى أن يكون أغلب كلامنا هناك حوله.. لأنه أيقونة المهرجان، وبيته فى كوبا يمثل مزاراً سياحياً للاقتصاد..

والحق أن أهم سمة فى حياة الروائى إرنست هيمنجواى هى سمة المغامرة وكثرة التنقل؛ إذ عاش حياته الأولى مراسلاً صحفياً وجندياً شارك فى أحداث الحرب العالمية الأولى، وخرج منها ليكتب روايته الأولى "وداعاً للسلاح"، ثم انتقل لإيطاليا ومنها إلى باريس ثم لأسبانيا.. وخلال تلك السنوات كتب عدداً من رواياته الهامة "ثم تشرق الشمس"، و" لمن تقرع الأجراس".. ليضع نفسه فى مصاف الروائيين العظام كأحد أهم رواد الأدب الكلاسيكى الأمريكي المعاصر..

وخلال تلك الرحلة الطويلة التى استغرقت 45 عاماً من حياته تزوج ثلاث نساء ثم انفصل عنهن تباعاً.. حتى التقى أخيراً بزوجته الصحفية مارى ولاش فى لندن ليقضى معها الفترة الباقية من حياته التى امتدت لما يربو قليلا عن الستين عاما.. ولعل أهم وأخصب فترات حياته تلك التى قضاها فى كوبا فى بيته المسمى فينكا فيخيا.. وخلالها نشر أهم أعماله "العجوز والبحر"..

اضطر لترك كوبا منتقلاً منها إلى إيداهو لأسباب كثيرة، أهمها تدهور حالته الصحية.. لكنه لم يكن السبب الوحيد.. ففى أوائل الخمسينيات انطلق هيمنجواى إلى الكونغو فى إفريقيا كما تعود أن يذهب فى رحلات صيد سنوية، وهناك تعرض لحادثتين منفصلتين سقطت فى أولاهما طائرة وانفجرت به طائرة أخرى ونجا من الحادثتين بأعجوبة، لكنه خرج منهما مصاباً بتهتكات وعاهات وآلام دائمة زادت من معاقرته للخمر.. 

وفى أكتوبر 1954 حصل على جائزة نوبل فى الأدب، لكنه بات طريح الفراش خلال العامين التاليين ونصحه الأطباء بالتوقف عن معاقرة الخمر فلم يستجب..

قالت دونا بن فيلد: إن إرنست عانى في السنتين الأخيرتين من حياته من تدهورًا جسديًا وعقليًا بسبب الإحباط والاكتئاب النفسي والآلام الجسدية التى تركتها حادثتا الكونغو.. 

وعندما قامت الثورة الكوبية بقيادة كاسترو وجيفارا، عام 1956،  وتوترت العلاقات الأمريكية من جهة والكوبية الروسية من جهة أخرى، صار من المتعذر على هيمنجواي الإقامة خارج بلاده. ولكن علاقته مع زوجته ماري كانت قد ساءت كما كان يحدث مع زوجاته السابقات.. لهذا قرر مغادرة كوبا عام 1958 بشكل نهائي إلى ولاية ايداهو بمدينة كيتشام، واستأجر بيتا ليخرج من أزماته، ولكنه شعر هناك بعزلة شديدة وعدم قدرة على التصرف، فاكتأب لخروجه من كوبا، وترك حياة المغامرة والتنقل والترحال والصيد إلى حياة الدعة والخمول. 

هكذا استقر في (كيتشام) يتلقى العلاج بمستشفى (مايو كلينيك)، وللخروج من حالة الاكتئاب المزمن وصف له الطبيب العلاج بالصدمات الكهربائية واستمر يصدمه بها حتى ضعفت ذاكرته وقل تركيزه وصار لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، وأصيب بارتفاع ضغط الدم وانخفض وزنه سريعاً ليكتشف فى عام 1961 أنه قد أصيب بالسرطان، وكان قد حاول الانتحار أكثر من مرة ولم يفلح.. حتى قرر فى ليلة مظلمة في بيته المعزول بكتشام أن يطلق على نفسه الرصاص من بندقية الصيد التى رافقته فى كل رحلاته..

في وصيته الأخيرة خصص منزل مزرعة فيخيا للشعب الكوبي ليحولوه إلى متحف يضم كتبه وأثاثه ولوحاته وأدوات صيده البحري وآلة كتابته وسريره ويخته بيلار.. وطلب ألا يتم لمس شيء وأن يبقى المكان ليزوره الكوبيون عندما يحلو لهم، حيث أعلن في يناير 1959 على الملأ أنه نصير للثورة الكوبية.
 
كان اللقب الذي اشتهر به إرنست هو لقب البابا.. لأنه كان أستاذاً ورائداً من رواد الأدب الأمريكى.. وما زالت رواياته تتمتع بنفس القيمة والأهمية رغم مرور كل هذه السنوات، ورغم تعاقب أجيال كثيرة من كبار الروائيين فى أمريكا وغيرها..

هكذا كانت رحلتى فى إيداهو بصحبة دونا بن فيلد وفى ذكرى هيمنجواى وعلى ضفاف نهر الأفاعي بإيداهو..

[email protected]

كلمات البحث