Close ad

المارون بين الكلمات العابرة

3-1-2024 | 12:34
الأهرام العربي نقلاً عن

الشاعر علي محمود طه، أول من أمسك بالجوهرة: "أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا" وفيما بعد سيقوم بتلحينها وغنائها، الموسيقار محمد عبدالوهاب، وتصبح نشيد التلاميذ الصباحي في المخيمات الفلسطينية الفقيرة.

وما من شاعر عربي إلا وسار على درب فلسطين، وفلسطين جواز المرور إلى قبيلة الشعراء، وسلامة الموقف للحكام والسلاطين، واختبار الضمير لمثقفي العالم.

بقصيدته تلك، يتحول على محمود طه إلى رصاصة شعرية، يتوازى مع السوري عز الدين القسام، قائد ثورة 1936 الفلسطينية، وهو يقاتل الاستعمار البريطاني – الصهيوني المزدوج، أكاد أقول لولا قصيدته تلك ما عرف الجمهور صاحب ديوان "الملاح التائه"!

صحيح أن هناك آخرين عرفوا فلسطين وعرفتهم: أمير الشعراء أحمد شوقي، العراقي محمد مهدي الجواهري، السوري بدوى الجبل، وفيما بعد جاء العراقي سعدي يوسف، والمصريان أحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل، والفلسطيني سميح القاسم وآخرون بالمئات، جميعًا هبت عليهم "قداسة" فلسطين، تلك الأرض التي تتقاسمها الأديان والأساطير وأشجار الزيتون، ورائحة الخبز فى التنانير.

شاءت الإمبريالية المتوحشة أن تجعل منها أرضًا للموت، وجمعت لها كل العابرين، أولئك المارون في الكلمات العابرة، كما أنشد شاعر فلسطين الكبير محمود درويش:
"أيُّها المارُّون بين الكلمات العابرة.. آنَ أنْ تنصرفوا.. وتقيموا أينما شئتم.. ولكن لا تقيموا بيننا.. آنَ أنْ تنصرفوا.. ولتموتوا أينما شئتمْ.. ولكن لا تموتوا بيننا..".

ذلك أن الشعر يأتي بما لا تأتي به الفيزياء أو سجلات التاريخ، فقد أصابت القصيدة إسحاق شامير، رئيس وزراء جماعة الشتات بلوثة، جعلته يهذي، ويشن هجومًا ضاريًا على درويش في افتتاح جلسة الكنيست عام 1988، ويصفه بالإرهابي، هو ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويتهمه بالتهمة الجاهزة، "العداء للسامية".

يا لها من ملهاة أن يكون البولندي إسحاق شامير، المتهم القاتل الهارب من البريطانيين، هو الذي يلاحق شاعرًا، استطاع بكلماته القليلة أن يزلزل كيانه، وصدق إميل حبيبي حين كتب ساخرًا: هذه الدولة ليست ابنة عيشة.

درويش لم يكن وحده نائبا عن فلسطين، بل كان إشارة حمراء فاقعة، فثمة كتاب آخرون حملوا فلسطين بكلماتهم على أكتافهم إلى المدن الغربية البعيدة، إدوارد سعيد المفكر المرموق، وكتابه "خارج المكان"، والناقدة سلمى خضراء الجيوسي بكتاباتها عن الشعر الفلسطيني، والروائي والمترجم جبرا إبراهيم جبرا، حامل الغصن الذهبي، والشاعر الملتبس توفيق صايغ.

فيما قبل وفيما بعد، تحولت فلسطين إلى "إشارة الهزيمة والنصر"، ألم يكرس لها السوري الكبير نزار قباني، عشرات القصائد، ثم ديوانا كاملا "هو" هوامش على دفتر النكسة"؟ ألم يجد سعدي يوسف نفسه مقاتلًا في بيروت تحت الحصار، ويكتب ديوانًا كاملًا يدعوه "مريم تأتي"؟ يقول فيه: "لو كنت أعرف أين مريم، لاتبعت النجم نحو بلادها، لكن مريم خلفتني في المتاهة، ثم قالت سوف تلقاني إذا أحببتني"، ألم يكتب أدونيس عن وجه يافا الطفل؟

أرادوا اقتلاع الفلسطيني من أرضه وبياراته وقمحه وزيتونه، طمسوا أسماء القرى العربية، وصموها بأسماء عبرية، لكنهم لم يحسبوا حساب الشعر، والشعر يتسلل إليهم بغتة، يقيم فلسطين في ضمير العالم، ورويدا رويدا يطردهم من جنة المعنى والخيال، فهم لم يفهموا بعد معنى الكلمة، كما صاغها الشاعر عبدالرحمن الشرقاوي في مسرحيته "الحسين ثائرًا" حين يقول على لسان الحسين: "الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور.. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشرى" إلى أن يقول: "الكلمة زلزلت الظالم.. الكلمة حصن الحرية... إن الكلام مسئولية.. إن الرجل هو الكلمة.. شرف الرجل هو الكلمة... شرف الله هو الكلمة".

بعد خمسة وسبعين عامًا من اقتلاع "الزيتون" تعاد الرواية من نهايتها، يستعيد الفلسطينى جسر العودة، يمشي وئيدًا إلى أرضه، يستدعي قانون درويش المقدس، "عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ، أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: