Close ad
1-1-2024 | 14:04

احذر.. إذا اعتادوا أن يجدوك قويًا أصبح واجبًا عليك أن تكون هكذا دومًا.. نعم هكذا الناس دومًا ينتظرون منك ما عودتهم أن يجدوك عليه. 

إن اعتادوا أن يروا ابتسامتك دومًا، فويلك إن غابت عن وجهك يومًا، سوف تحاصرك الأسئلة وعلامات الاستفهام من كل جانب: مالك النهاردة؟ فيه إيه؟ شكلك مش مظبوط! لأ أكيد فيه حاجة؟ إنت كويس؟ ومهما حاولت وأقسمت بكافة الأيمان لتؤكد أنك بخير فلن تجد أذنًا تنصت، لسبب بسيط أن هذا هو ما عودتهم – أنت – عليه.

أنا ممن أصابتهم تلك اللعنة، قرار اتخذته في بداية حياتي عندما واجهت ظروفًا صعبة كأي شاب في بداية حياته، قررت أن أواجه الحياة بابتسامة على قدر ما أستطيع، لدرجة أننى كتبت مقالًا عن الإدارة بالابتسامة بعد عملي في أوروبا ورؤيتي لتطبيقات هذا الأمر على أرض الواقع.. شكرًا لكل من قرأ المقال أو تلك السطور ونعتني بالمخبول أو على أفضل تقدير – إن اسعفتنى الذاكرة - بالمثالي الحالم الهائم على وجهه في يوتوبيا لا وجود لها، لكنني هذا الشخص ولا أستطيع بل أؤكد أنني لا أرغب في تغييره.

العجب كل العجب عندما تجد من حولك يطالبونك أحيانًا أن توقف قليلًا تلك الابتسامة البلهاء التي تملأ وجهك دون سبب، متوسلين إليك أن تتحلى بالعقل قليلًا، مؤكدين أنك تعاصر الآن لحظات جادة لا مجال فيها لابتسامتك الحمقاء، فيأتي تساؤلي الدائم الذي لا ينال إلا سخط البعض وحنقهم: أخبروني بالله عليكم ما الضرر من الابتسام ومعالجة الأمور بهدوء طالما أن الابتسامة لن تخرج بك عن جوهر الموضوع الذي تناقشه. 

المشكلة تتبدى عندما يتبنى الطرف الآخر أسلوبًا مغايرًا يتعارض مع أسلوبك، ولا أعتبر ذلك عيبًا فيه فلكل شخص طريقته وأسلوبه، لكن الغريب أن تجد البعض وقد رمقك بنظراته الحادة ورسم فمه "سبعة مقلوبة" بمنتهى "القرف" وربما انقبضت أذناه لتقذف بكلماتك إلى أبعد مكان، هو يحاول أن يخبرك بشتى الطرق أن ابتسامتك لا مكان لها في وسط موضوعاته شديدة الأهمية، وأنت من ناحيتك تصر على معالجة الأمر وعلى هامش وجهك ابتسامتك الصديقة الودودة.. لكنه يرفض ذلك ويتهمك بعدم الاهتمام بالأمر، وربما بالتفاهة وغالبًا بالسطحية.

من منكم على صواب ومن على خطأ؟ سؤال لم أفكر فيه أبدًا، ولم أحاول أن أبحث له عن إجابة، قناعة مني بأن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فلكل شخص أسلوبه في التعامل مع الأمور ومعالجتها، وكل المطلوب هو استيعاب تلك الحقيقة والتعامل معها طالما لا ضرر في ذلك.

الأغرب والأغرب إذا قررت - استجابة منك للنداءات المتكررة ممن حولك - أن تتخلى عن ابتسامتك في لحظة معينة إرضاءً لهم، فتفاجأ بهم يسألونك بوجوه قلقة: أين هي؟ أين ذهبت؟ هل أصابك مكروه؟ ومهما أكدت أنك قد تخليت عنها عامدًا متعمدًا بناء على طلباتهم السابقة، لترضيهم وتواكب الموقف وما يتطلبه من جدية لن يقتنعوا ولا تتعجب حين تراهم يتهامسون متسائلين هل أصابه مكروه؟ عجبًا أليس هذا ما طالبتم به؟ نعم هذا ما طالبنا به، لكننا تعودنا على رؤية ابتسامتك تعلو وجهك دائمًا، بل ربما أخبرك البعض أنهم ينتظرون حضورك ليروا تلك الابتسامة، منذ فترة ذهبت إلى مكتب إحدى الزميلات وألقيت تحية الصباح عليها وإلى جوارها بعض الزملاء، ففوجئت بها تقول: ياااااه والله يا دكتور حضرتك نستني إللى كنت فيه، سألتها بتعجب ماذا حدث؟ قالت إنها منذ الصباح في هم وغم في العمل، وأنها عندما رأتني أدخل عليهم مبتسمًا ابتسمت ونست الموضوع برمته. 

موقف آخر عندما ذهبت لزيارة إحدى قريباتي في المستشفى، وبمجرد دخولي الغرفة وجدت ابنتها تقول لي: لماذا تأخرت؟ لقد قلت لهم إنك الوحيد الذي سوف يجعلها تبتسم وتنسى الألم، وبمجرد أن أنهت كلماتها توجهت فورًا للقيام بمهمتي وجلست إلى جوار قريبتي، وبدأت المشاكسات، وبدأت تبتسم وتضحك، وأنا أتوسل إليها ألا تضحك زيادة عن اللازم، فقد خرجت من غرفة العمليات للتو، وكلما قلت ذلك أجدها تضحك أكثر، ربما ليست الكلمات مثيرة للضحك ولا مجرد الابتسام، بل ربما كانت جادة جدًا لكن الناس الذين اعتادوا معالجتك للأمر مصحوبًا بابتسامة، تجدهم يتبعون نفس منهجك عندما تكون معهم فيبتسمون وهم يتألمون.

أسعدني ذلك بالطبع، لكنني أدركت أن الأمر قد تحول إلى مسئولية ومهمة يجب أن تقوم بها على أحسن وجه، ومهما واجهت من مشكلات، لقد اعتادوا على رؤيتك تواجه الحياة ومشكلاتها بابتسامتك، وسوف يتعجبون إن رأوك ضعيفًا تسير بدون سلاحك المعهود أحيانًا، سلاحك الذى لا يكلفك شيئًا، لا يعلمون ما تخفيه تلك الابتسامة وراءها، لا يدركون أنها علاج لمشكلات لا قبل لهم بها، فكيف لك أن تخبرهم أنك أحيانًا لا تكون هذا القوي الذى لا يشق له غبار، ذلك الضعيف الذي يريد أن يحتضنه أحد بمنتهى القوة، كيف تخبرهم أنك أحيانًا تبحث عن ابتسامتك لتحتمى بها فتجدها ضعيفة واهنة تحتضر وقد استنفدت الأيام طاقتها.

كلمات البحث