Close ad

قاتل الله الفضول

24-12-2023 | 18:13

يقتلنا الفضول أحيانًا لمعرفة المزيد من المعلومات عن علاقات مرت بنا في الماضي مع أناس كنا نعدهم من الأقربين، فننتحر بحثًا عنهم وعن أخبارهم، مصدرين لأنفسنا الوهم بأننا سوف نجدهم كما كانوا في الماضي لطفاء ومرحون؛ قد يكون فضولنا هذا مر بنا من باب حب الاستطلاع ومعرفة بعض الأمور الغائبة عنا، وآفة الإنسان الفضول، فنجد فجأة في خلفية الصورة نواقيس للخطر تدق بشدة وتحذرنا من مداهمة أخبار قد يكون أغلبها يشكل خطرًا علينا فنضحي بسلامنا النفسي الذي مازال يسكننا ومازلنا نتمتع به.

تطيح بأيدينا بعيدًا عن فتح باب المجهول، ونحن نلقي بشبكتنا متقمصين دور صياد ماهر وعنيد، تنطلق محاولاتنا بين صعود وهبوط، تغادرنا الراحة ويرحل عنا سكوننا المعهود نحلق متجمعين كأسراب الطيور التي استيقظت منذ البكور لتتقصى وراء خواطرنا وأفكارنا، ونحن نلهث من خلفها دون إدراك بأن هذا التتبع قد يطوي بين جنباته ألمًا أو حزنًا شديدًا على غير توقع منا تجاه أشخاص غيرت سماتهم رياح الأيام وأبدلتهم عواصف السنين.

هناك فضول محمود وهناك فضول مذموم، قد يكون السؤال الآتي من نفس اعتادت المرور خلسة من حين إلى آخر بين أروقة ماض سعيد مرت به يومًا ثم طرحت فكرتها وطرقت بها أبواب أنفسنا لتدفعنا للقيام بعمل إحصاء جديد لمواقف مرت بنا، قد تكون تلك النفوس التي نبحث وراءها قد تغيرت فطابع النفوس المعلوم هو التقلب والتغير. 

ربما نفتقد مشاعر طيبة ربطت بيننا وبينهم يومًا أو أحاسيس صادقة لامست قلوبنا برفق ثم مرت لترسم ابتسامة عذبة أضاءت بها قسمات وجوهنا؛ ذكرياتنا صنعت منا بشرًا مختلفين، أناس يشعرون بالحنين ويتبعون عاطفتهم الطائشة حين يقررون ودون سابق إنذار الإبحار في كل البحور كصيادين مغامرين يبحثون عن صيد ثمين في يوم عاصف؛ آملين في وجود مايشبع حاجتهم من ذكريات مرت بهم في الماضي دون أن يتأكدوا من صحة ما يتبعون لأشياء قد تكون طويت ملامحها بين صفحات كتب النسيان وهم لايعلمون.

إن فضولنا الكبير يبعث برسائله إلينا ينبهنا وينهانا عن خوض معاركنا والزج بأنفسنا في البحث والتسرع بفتح سجلاتنا القديمة التي غطاها وغمرها غبار السنين محاولة إبعادنا عن صورة باهتة، ووجوه شاحبة كانت يومًا صافية رقيقة نابضة بالحياة، وطباع إنسانية تخلى عنها رقيها بعد مرور كل هذا العمر ونحن عنهم معتزلين؛ وهنا قد تفاجئنا حقيقة الأمور وتفزعنا فنبادر بحثًا عن مسلك للخروج هربًا مما كنا نواصل ونستميت في محاولات البحث عنه.  

أحيانًا الجهل ببعض الأمور ينطوي على رحمة عظيمة ونفحات مباركة من خير وفير، فلنعمل على وقاية أنفسنا من التعرض لخيبات أمل أو خذلان نستدعيه بأنفسنا مصدقين به ومتعجلين لكشف الكثير من الخفايا والأسرار، إن السير في هذا الطريق قد لايكون محمود الأثر، تعالوا نستمع للنصيحة قبل أن نغادر جنتنا بعنادنا مثلما فعل الأولون. هيا قبل أن يغمرنا الندم فنردد قولنا معًا: "قاتل الله الفضول".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة