Close ad

ساكوجي يوشيمورا.. عاشق الآثار الفرعونية

23-12-2023 | 10:21

بعد ستين عاماً قضى أكثرها بين آثارنا الفرعونية ومومياواتها وأسرارها.. يصارح العالم ويقول: لسنا كالغرب فى قدراتهم المذهلة وخبرتهم العتيقة فى الحفر، لكننا طوَّرنا أسلوباً يابانياً وتكنولوجيا جديدًا فى علوم الحفريات الأثرية، وتوصلنا لما لم يتوصل إليه الغرب لأننا استخدمنا تقنيات أفضل!

ويقول أيضاً: مقاربات اللغة المصرية القديمة مع اليابانية القديمة "كانجي" قد تصل بنا إلى اكتشاف علم مصريات جديد!..

إنه مؤسس معهد علم المصريات فى جامعة (واسيدا) فى اليابان، ورئيس البعثة اليابانية للتنقيب عن الآثار منذ نصف قرن "ساكوجي يوشيمورا" .

قصته مع الأثار الفرعونية قصة مدهشة مثيرة للإعجاب والعجب فى آن، ومثلها قصته مع الإسلام الذى اعتنقه أثناء رحلته الطويلة فى مصر.

فما الذى توصلت إليه بعثته خلال نصف قرن مضَى؟
 
صبر أيوب.. واكتشافات بالجملة
 
كان طالباً يابانياً حالماً طموحاً فى منتصف العِقد الثانى عندما جاء إلى مصر خلال النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى على متن ناقلة بترول للمرة الأولى، وعاد لليابان وقد أضمر فى سريرته أمراً.. ذهب إلى رئيس جامعة واسيدا التى ينتمى إليها وطلب منه الموافقة على ابتعاثه إلى مصر للتنقيب عن الآثار! لم يُعِرهُ رئيس الجامعة اهتماماً فى البداية، ثم اضطر للاستجابة لمطلبه، عندما لمس إصراره وتمسكه وشغفه بالفكرة. 

هكذا بات ساكوجي يوشيمورا عضواً فى أول فريق بحثى آسيوى للتنقيب عن الآثار فى مصر تحت قيادة أستاذه "كاوامورا" عام 1971م.

ثلاث سنوات عجاف قضاها يوشيمورا فى الأقصر بلا أى تقدم ملموس، وكادت أموال المنحة الجامعية أن تنفد، وكاد المشروع البحثى أن يُقضى عليه بالفشل..

وإذا بالفريق اليابانى يُفاجأ باكتشاف مقبرة ملكية لأمنحتب الثالث فى منطقة "كوم السماك" فى يناير 1974م، ليغدو هذا التاريخ فتحاً عظيماً للفريق الطَموح وللباحث اليابانى المغامر ساكوجي يوشيمورا. 

وبعد عام واحد من هذا التاريخ تم تأسيس المركز الثقافى المصرى فى جامعة واسيدا، ليمثل نواة للتواصل الثقافى بين الحضارتين العريقتين. واستمر تمويل الجامعة للمشروع البحثى.. وبينما كان المشروع يجري على قدم وساق، مرض قائد الفريق البروفيسور كاوامورا في ديسمبر 1978، وتوفي فجأة في أحد المستشفيات اليابانية في سن الشباب، دون أن يرى نتائج الحفريات الأثرية في "كوم السماك".. 

طار يوشيمورا عائدا لليابان لرؤيته قبل أيام قليلة من وفاته، ليسمع وصيته بتسجيل كل كبيرة وصغيرة تمت خلال سنوات التنقيب والعمل البحثى الدؤوب.
 
كادت وفاة كاوامورا أن تأتى على أحلام البعثة اليابانية، لولا إصرار يوشيمورا على مواصلة عمليات الحفر.. 

ويبدو أنه فى تلك الآونة كان يفكر فى الاستقرار بمصر، إذ تزوج خلال فترة الثمانينيات من سيدة مصرية، وفى يناير 1983م كُلَّلت مجهودات الفريق البحثى بنجاح أكبر.. إذ استطاع اكتشاف 200 مومياء فى قرية القرنة بالضفة الغربية للأقصر، وهو الاكتشاف الذى جعل يوشيمورا يحظى بشهرة عالمية، ليس فقط بسبب حجم الاكتشاف، بل الأهم التقنيات اليابانية التى استعان بها فريق جامعة واسيدا وتطبيقاتها الجيوفيزيائية، ثم الطريقة التى أعادوا بها بناء رأس أحد المومياوات باستخدام الأشعة المقطعية ورسومات الحاسوب.
 
بعد هذا الاكتشاف المهم انتقل الفريق الياباني بعد النصف الثانى من الثمانينيات للعمل إلى منطقة دهشور، وبدأ نطاق الدراسات البحثية والحفرية يتسع ليشمل الهرم الأكبر عام 1987م، وهناك حقق الفريق إنجازاً هو الأفضل والأهم، فباستخدام الرادار المخترق للأرض (GPR) تلك الطريقة التى تستخدم الإشعاع الكهرومغناطيسي للكشف عن الفراغات والتراكيب تحت سطح الأرض عبر الإشارات المنعكسة من تلك الإشعاعات.. بتلك التقنية اليابانية الأحدث، وقتذاك، تم اكتشاف تجويف غير معروف على الجانب الجنوبي من الهرم، واتضح فيما بعد أنه المركب الثانى للملك خوفو، والذى تم انتشاله وترميمه خلال سنوات تالية.
 
مصر لا تنسى الجميل
 
لاشك أن ليوشيمورا فضلاً كبيراً على حركة الاكتشافات الأثرية المعاصرة فى مصر، سواءً بالمجهودات المخلصة التى بذلها فى سبيل المساهمة باكتشاف أسرار جديدة عن تاريخ مصر الحافل، أو بالتقنيات اليابانية الحديثة التى أضافت أبعادًا أخرى مختلفة فى أساليب الحفر والبحث والترميم، بل وإعادة تصور وتخيل التاريخ باستخدام أحدث البرامج الرقمية.

كما أن لهذا العالِم الجليل أكبر الفضل على اليابان، وعلى العلاقات المصرية اليابانية التى اكتسبت بُعداً حضارياً عميقاً بفضل منجزات فريق جامعة واسيدا على مدى نحو نصف قرن كاملة. 

لم يكتفِ يوشيمورا بمنجزاته فى مصر، فاستكملها فى اليابان.. إذ قام بتأسيس معهد علم المصريات فى جامعة واسيدا، وكتب أكثر من مائتى مقالة وورقة علمية حول أعمال البعثة اليابانية فى مصر، وتمكن خلال تلك الفترة الطويلة من اجتذاب عددٍ كبيرٍ من الباحثين من جامعات يابانية أخرى فى إطار مشروعات بحثية موسعة مشتركة؛ وهو ما فتح شهية البعثات التنقيبية والبحثية من دول أخرى أوروبية كأسبانيا التى بات لها مكتشَفات فى مصر.

أكثر من هذا أن ثمة معارض كبرى أقيمت احتفالاً واحتفاءً بالمكتشَفات اليابانية فى مصر، منها معرض "يوشيمورا في مصر" الذى أقيم فى جامعة واسيدا، ثم معرض (عصر بناة الأهرام) الذى طاف بين عدد من المدن اليابانية الكبرى ووفد إليه عشرات الآلاف من اليابانيين الشغوفين بالتراث المصرى الفرعونى منذ نحو عامين مضَيا.

بفضل منجزاته الكثيرة هو وفريقه البحثى، بات العالم الأثرى اليابانى ساكوجي يوشيمورا واحداً من أهم المرجعيات العلمية فى جامعة واسيدا، ورئيساً لجامعة سايبر، وأستاذاً زائراً فى جامعته الأم، إلا أن بعثة واسيدا ما زالت حتى الآن هى وغيرها من البعثات اليابانية مستمرة فى أبحاثها واكتشافاتها التى فاقت التوقعات!
 
"كانان يوشيمورا" نجمة الشاشات المصرية
 
فيما بات ساكوجي يوشيمورا نجماً من نجوم البحث العلمى فى اليابان، صارت ابنته كانان من نجمات الشاشتين الفضية والذهبية بما قامت بتمثيله من أفلام ومسلسلات فى مصر، بدأت مشوارها الفنى بأداء دور فى فيلم "شرم برم" عام 2001م، ما فتح لها المجال للقيام بأدوار فى أعمال أخرى، كمسلسل "شباب أون لاين" ومسلسل "عائلة مجنونة جداً" و"الفوريجى" . 

وفى أحد لقاءاتها الصحفية أبدت الفنانة "كانان" رأيها فى الأدوار التى قامت بها، حيث صرحت بأنها ليست راضية تماماً عن قولبتها فى إطار أدوار "الخواجاية" أو الغريبة عن مصر، ما يشير لاعتزازها بجنسيتها المصرية من جانب أمها، كاعتزازها بجنسيتها اليابانية من جانب أبيها عالم الآثار العاشق لتاريخنا الفرعونى.

أكثر المصريين لا يعرفون شيئاً عن يوشيمورا أو عن ابنته النجمة اليابانية، رغم كل ما حققه من منجزات تستحق الإشادة والتقدير! فيما ينبغى تسليط الضوء عليها، خاصةً وأن نتائج ما بذله على مدار الخمسين عاماً الماضية مازال مستمراً حتى اليوم!
 
يوشيمورا واليابان والمتحف الكبير
 
قبل بعثة واسيدا لم يكن لليابان اهتمام بآثار مصر..
أما بعد اكتشافات يوشيمورا المتتابعة اختلف الأمر اختلافاً جذرياً..

تتابعَت البعثات اليابانية من جامعات أخرى.. تدفقت الأموال لتمويل أبحاث تلك البعثات.. أسهمت التقنيات اليابانية فى التأسيس لمدرسة أثرية تختلف شكلاً ومضموناً عن المدرسة الغربية الأوروبية.. أقيمت المعارض الفرعونية فى عدة مدن يابانية.. كل هذا يضاف إلى ما تم اكتشافه من آثار ما تزال تفصح عن نفسها.

يقول الباحث الأثري عبدالرحيم ريحان: "إن اليابانيين يعشقون البحث ودراسة الآثار بالدول الغنية بالتراث بالشرق الأوسط وفى مقدمتها مصر، وأنهم كانوا سبَّاقين بالعمل الأثرى فى سيناء منذ استردادها، وأن بعثة جامعة واسيدا لها إسهام عظيم بالاكتشافات الأثرية فى منطقة "تل الكيلانى" وأهمها اكتشاف ميناء الطور القديم الذى ينتمى للعصر المملوكى، والذى كان يستخدم لخدمة التجارة بين الشرق "دول جنوب شرق آسيا" من ناحية، وبين الغرب الأوروبي".
 
كما أن المدرسة اليابانية تمتاز بالتكامل والدقة والحرفية العالية، باشتمالها على أخصائى الترميم المحترف، والمهندس المعمارى المتخصص فى رفع الموقع، وعامل الحفائر الفنى الخبير القادر على استخراج الحفائر الأثرية دون تدميرها، بل وأن التقنيات التى أضافتها البعثة اليابانية كتخطيطات الحاسب ثلاثية الأبعاد، والتصوير بالأقمار الصناعية، كلها أساليب أسهمت فى سرعة ودقة الإنجازات الأثرية.

مثل تلك الفعاليات والاكتشافات هى التى قادت، وغيرها، إلى الإنجاز الأكبر: مشروع المتحف المصرى الكبير؛ ذلك المشروع الذى أسهمت فيه اليابان بنصيب وافر من الدعم على مختلف المستويات؛ إذ قدمت من خلال مؤسسة "جايكا" قروضاً إنمائية وصلت إلى 800 مليون دولار، إلى جانب الدعم الفنى الكبير الذى تمثل فى أعمال الترميم والحفظ والتغليف ونقل القطع الأثرية، وبخاصة "مركبة خوفو الثانية" التى ستصبح من أهم وأبرز معروضات المتحف المزمع افتتاحه قريباً.
 
يوشيمورا .. رسالة سلام 
 
اعتنق ساكوجي يوشيمورا الدين الإسلامي وحده.. دون أن يستحثه أو يطلب منه أحد، غير أن له صديقًا يابانيًا كان يعيش في مصر سبقه إلى اعتناق الدين الإسلامى وأطلق على نفسه اسم خالد .

عاد إلى اليابان وأقام هناك "الجمعية الإسلامية اليابانية"؛ وهي وإن كانت لا تهدف إلي دعوة اليابانيين بصورة مباشرة لاعتناق الدين الإسلامي، إلا أنها تقوم بتعريف الناس هناك بالإسلام وتعاليمه وقيمه السمحة من خلال فعاليات وأنشطة كثيرة.

اعتنق يوشيمورا الإسلام واستوعب رسالته الإنسانية السمحة.. قارنه بما سبقه من أديان.. فوجد أنه الدين القيم.. دين لا يدعو للقتل والذبح كما يصوره الغرب بأنه دين دموي.. وقد أكد أنه في أي لقاءات بالخارج حينما يأتى على ذكر الإسلام يتحدث عنه مصححاً فكر الغرب الذي يصور الإسلام على أنه عدو.

يوشيمورا يعيش ويعمل متنقلا بين اليابان ومصر منذ 50 عامًا! هكذا فى صمت وتفانٍ. 

إنه يرى أن الحضارة المصرية هي أصل التاريخ في العلم كله، وقد صرح بهذا فى أحاديث صحفية ردَّ بها على المغالطات التاريخية لدى بعض سارقى الآثار الغربيين.

أعجبه مناخ مصر المعتدل وأهلها الطيبون.. غير أنه لاحظ تغيراً فى سمات المصريين مؤخراً على طول معاشرته لهم.. شيء جديد طرأ على الشخصية المصرية فأحالها لشخصية مادية فاقدة لمبادئها وتقاليدها التي ورثتها عبر العصور، ربما حدث هذا بسبب التأثير الحضارى السلبي للغرب والممتد عبر أجيال متعاقبة. 

إن الاكتشافَين يُظهران مدى ما حدث لمصر وشعبها عبر العصور: اكتشافه للماضى البعيد بعلومه المذهلة وتفوقه على غيره وأسبقيته وصدارته للحضارات.. ثم اكتشافه للحاضر بما فيه من متغيرات أفضت لهذا التفاوت العجيب والتغير الجذرى الذى أصاب الإنسان فى مصر، والإنسان فى العالم المتحضر.. وهي مقارنة ليست فى صالح الحضارة الحديثة؛ بل هي تثبت كم كان يوشيمورا محقاً بعيد النظر عندما اختار دراسة الحضارة المصرية القديمة.
 
[email protected]

كلمات البحث