Close ad
19-12-2023 | 16:25
الأهرام المسائي نقلاً عن

بعد ضرب مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بقنبلتين نوويتين في أغسطس 1945، إبان الحرب العالمية الثانية، دعا الرئيس الأمريكي هاري ترومان (1884 – 1972)، العَالِم روبرت أوبنهايمر (1904-1967) لتكريمه، بوصفه الرجل الذي مكن أمريكا من قتل مئات الآلاف بضغطة زر واحدة، فضلاً عن تركيع اليابان، وإجبارها على الاعتراف بالهزيمة، وإسدال ستار النهاية على الحرب.

حضر أوبنهايمر اللقاء بذهن مشوش تتصارع فيه خيالات الانتصار العلمي بنجاح تصنيع قنبلة نووية من جهة، وصور عشرات آلاف الضحايا المشوهين جراء الطاقة الهائلة الناجمة عن الانفجار من جهة أخرى، حتى إنه لم يتردد في مصارحة الرئيس بهواجسه وشعوره بالذنب وإحساسه أن كفيه ملطختان بالدماء.

في هدوء دس ترومان طرفي إصبعيه السبابة والوسطى في جيب سترته وأخرج منديلاً، ثم ناوله إياه وعلى وجهه أمارات التهكم والسخرية، وطلب منه مسح يديه، وأن ينسى الماضي ويفكر في المستقبل.

اليوم يتكرر نفس المشهد مع تناقض المواقف، فالرئيس الأمريكي جو بايدن الذي سارع إلى مساندة أوكرانيا وإمدادها بجسر جوي شمل كافة أنواع المعدات، هو نفسه الذي وافق على إمداد إسرائيل باحتياجاتها من الأسلحة، آخرها طلب موافقة الكونجرس على تزويدها بخمس وأربعين ألف قذيفة دبابة، واستخدام الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الدولي الداعي لوقف فوري للقتال في غزة، تلبية لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، يبدو أنه يحتفظ بمنديل ترومان!!

بحسب بيان الموقع الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، بلغ متوسط ما ألقته إسرائيل على غزة من متفجرات حتى نهاية شهر نوفمبر الماضي عشرة كيلوجرامات لكل شخص، أي ما يعادل القوة التدميرية لقنبلتي هيروشيما وناجازاكي.

كانت أمريكا قد وضعت تحت تصرف أوبنهايمر نحو 2 مليار دولار، فيما عُرف وقتها بمشروع مانهاتن، والذي استقطب علماء متخصصين من دول العالم، سبقه ترويج إعلامي نحو سعي الاتحاد السوفيتي لامتلاك قوة نووية.

هل صَنَعَت أمريكا القنبلة النووية خوفًا من الروس حقًا، أم رغبة في امتلاك قوة ساحقة تضمن بها يدًا طويلة وصوتًا عاليًا، وهل كان ضرب اليابان ضرورة أم كانت هناك رغبة محمومة في إثبات القدرة على الفعل وأيضًا إبراز التفوق العلمي والعسكري.

تشابه كبير بين أجواء ما قبل تصنيع القنبلة النووية ووقائع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي سبقه ترويج أمريكا امتلاك صدام حسين أسلحة كيميائية تدميرية، وأنها وحلفاءها أخذوا على عاتقهم مهمة حماية الإنسانية من تلك الشرور فراحوا يقلبون كل حجر في العراق بحثًا عنها، ولسان حالهم يردد بيت نزار قباني عن الحب (إن لم نجده عليها لاخترعناه)، وشتان بين المقصدين، والفرقُ حرفٌ واحدُ؛ حبٌ وحرب !.

على نفس النهج تهدم إسرائيل البيوت والمستشفيات وتحرق المزارع بحثًا عن حماس، التي لن تعترف بالقضاءِ عليها أبدًا، لتظل هناك زريعة للحرب والتدمير والخراب حتى قيام الساعة. 

بالأمس كانت الأم الثكلى تتحسس الكلمات وهي تحكي لصغارها عن أبيهم الذي رحل للسماء، اليوم لم يعد في البيت من يخبر عن ساكنيه، صعدوا جميعًا للسماء!!

في رواية (وارث الشواهد)، للكاتب الفلسطيني وليد الشُرفا، فضلت الأم هجرة ابنها وبُعده عنها خشية أن يلحق بأبيه الذي قتله اليهود بدم بارد على مشارف القرية، كانت نار بعده عنها أهون عليها من نار فقده، لكنه حين عاد بعد سنوات طوال استيقظ فيه الماضي البعيد، ولم يملك نفسه حين رأى بيت العائلة وقد تحول لحجارة استخدمتها إسرائيل في بناء مبنى للخدمات، ليتبقى له شواهد القبور ميراثًا من الأجداد.. فيثور من جديد!! حفظ الله الوطن.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: