Close ad

غيبوبة.. مستر إكس

19-12-2023 | 18:06

هل من شروط النجاح أن يكون في حياة كل إنسان شخص ينغص عليه معيشته ويعطيه من الغم والهم "رزم رزم"، ومن الإحباط والاكتئاب "زكايب زكايب"؟ هل نعتبره ابتلاءً من الله سبحانه وتعالى لاختبار الصبر وقوة التحمل؟ أم أمرًا ملازمًا للنجاح والتفوق؟ أم أنها ثقافة انغرست غرسًا في عقول البعض حتى صارت عرفًا سائدًا؟ أم ربما عقدة لدى البعض الآخر تظهر فور جلوسهم على الكرسي؟ أم هي خليط من كل ذلك؟

أسئلة كثيرة لا أزعم أو أظن أنني أجد لها حلًا في تلك السطور القليلة، لكن على الأقل أراها تفتح الباب لمناقشة تلك الآفة التي قد لا يقدر على مقاومتها والتصدي لها الكثيرون وقد ينتهي بهم الحال إلى الإحباط والاكتئاب.

استعرت اسم "مستر إكس" من فؤاد المهندس عندما قرر أن "إكس ليس له نهاية X has no end "، فهذا النموذج موجود بشكل كبير نتمنى أن يكون له نهاية.

لتقريب الفكرة دعونا نتذكر سويًا كلمات الراحل عزت أبوعوف في آخر مشهد من فيلم "واحد من الناس"، عندما خاطب كريم عبدالعزيز قائلًا: "مش عايزك تنسى إن أنا خدمتك خدمة كبيرة، تعتقد لو مكنتش دخلت السجن كنت هتبقى بالذكاء إللى إنت فيه ده، أبدًا، كنت هتبقى مجرد سكيوريتي تافه متعرفش تاخد قرار واحد في حياتك".

للأسف هي لقطة من الحياة وليست مجرد خيال سينمائي؛ لقطة تدفعك دفعًا للتساؤل هل هذا الكلام صحيح؟ هل لابد من وجود هذا الشخص - الذي ينغص عليك حياتك وقد يجعلك تتعرض لظلم فاحش - حتى تصبح ناجحًا؟ هل هذا هو شرط الانتقال من حال إلى حال أفضل؟ 

أنا شخصيًا تعرضت لهذا الأمر في مقتبل حياتي العملية، كان من حظي أن أقع تحت رئاسة شخصية غريبة الأطوار، لا يقبل النقاش فهو دائمًا على صواب، وليس عليك وأنت في حضرته إلا أن ترتدي ثوب التلميذ طوعًا أو كرهًا، وتقف في خشوع وأدب جم، تقول حاضر ونعم فقط، لدرجة أن بعض الزملاء كانوا يتجنبون المرور من أمام حجرته؛ خوفًا من أن يلمحهم فيسمعهم مما لذ وطاب.

كنت حاصلًا على درجة الدكتوراه، وأخبرني بعض المغيبين عن الواقع أنها أعلى شهادة علمية، بمقتضاها أكون أدرى الناس بموضوع رسالتي التي أنفقت فيها سنوات طويلة أبحث وأعرف وأتعلم، وبناء على تلك القناعة دفعني حظي السيئ لأن ينسحب لساني في أحد الأيام وأقول رأيي أمام "مستر إكس"، ففوجئت به ينظر إلىَّ والشرر يتطاير من عينيه، ويصرخ في وجهي أمام الجميع: ما شاء الله، هل أصبحت خبيرًا دوليًا وأنا لا أدري، لا تتحدث مرة أخرى، دورك هنا أن تجلس صامتًا لا أسمع لك صوتًا على الأقل لمدة عشرين عامًا؛ لتتعلم من أساتذتك!

الغريب أن أحدًا من الحضور - وكانوا أساتذة كبارًا - لم يعلق على كلامه....... إلا بعد أن ذهب بعيدًا!! قالوا لي إن كلامي سليم تمامًا، وليس هناك أي خطأ فيما أبديته من رأي، لكنه حكم القوي على الضعيف، نفذ ما قاله لك يا بني ولا تحزن وليكن الله معك.

الحق أقول إنه لم يكن عندي أي مانع للجلوس والتعلم من أساتذتي، ومن يعرفني يعلم عني ذلك يقينًا لا ادعاءً، لكن المفترض أننى أتحدث في مجال تخصصي الذي أعلم عنه أكثر من أساتذتي، وهم يعلمون ذلك ويقرون به بالفعل، لكنه قرار "مستر إكس" الذي لا نقاش معه.

لكن عشرين عامًا من الجلوس صامتًا معناها أن أتجاوز الخمسين من العمر وأنا أستمع! فمتى سوف أتحدث إذن؟! 

نصحني الجميع بالصبر والتأني، قالوا إن الأيام دول، وإن الآتي أفضل بإذن الله، فاستمعت إليهم وجلست بلا حراك سنوات طويلة، ألعن عقلي الذي قادني إلى طريق العلم والحصول على تلك الدكتوراه أحيانًا، أبكي ساجدًا سائلًا الله الفرج أحيانًا أخرى.

وعندما يستبد بي اليأس أفكر جادًا في تحدي "مستر إكس" وإبداء رأيي كما أشاء أحيانًا أخرى وليفعل ما يشاء، أعلم أنه سوف يقذف بي من أقرب نافذة بمنتهى السهولة وأمام الجميع.. فليكن، لكنني كنت أتراجع خوفًا على مستقبل أبنائي الصغار، لم أكن أملك في تلك اللحظة من حطام الدنيا الفانية سوى تلك الورقة التي يشهدون فيها أنني دكتور، والتي لا تعني لـ "مستر إكس" أي شيء.

وظللت أنتظر حتى جاء يوم وفوجئنا جميعًا بزوال "مستر إكس"، يومها شعرت أن لحظتي قد حانت، وآن الأوان لآخذ فرصتي في العمل، وأتكلم وأعبر عن رأيي، وفعلتها وأبدى الجميع رضاهم وإعجابهم بما قلت، لكن هناك في نهاية الطاولة كان يجلس "مستر إكس" جديد لم يعجبه الحديث؛ رغم صحته التى أقرها جميع الحضور أمامه.. ومرة أخرى أجد الجميع يصمتون، ثم يسرون بحديثهم لي وحدي "على جنب"؛ حيث لم يجرؤ أحد على مناقشته كالعادة، فاضطررت في النهاية إلى ترك العمل، وفجأة جاء شخص مختلف تمامًا أعادني إلى العمل بأمل جديد، لكن بعد فترة صدمت عندما وجدته ليس إلا "مستر إكس" آخر في ثوب مختلف. 

المشكلة أن ثقافة "مستر إكس"، أقصد المدير ترتبط عندنا بالشدة والتوبيخ والصوت العالي، وكأن ذلك من البديهيات التي لا ينهض العمل إلا بها، لكن المشكلة أنني عملت بالخارج في إحدى الجامعات الأوربية، وعايشت أسلوبًا آخر ونوعًا آخر من المديرين على عكس كل ما سبق. 

هناك أشخاص وقودهم للعمل والتفوق هو "الكلمة الحلوة"، وأنا أنتمي منذ الصغر لتلك الطائفة، لا أريد المال ولا المناصب، وفي أوقات كثيرة أكون مستعدًا للعمل بدون مقابل، لكنني لا أستطيع التنازل عن الوقود الذي أحيا به، الكلمة الحلوة، كلمة التشجيع والإشادة إذا كان العمل جيدًا، والتوجيه نحو الصواب إن كان هناك قصور، لكن الصراخ والتوبيخ لا يحقق معي أي أثر، ولا تنتظر مني وقتها أي نتيجة أو عمل، هكذا أنا، وهكذا أعمل.

غريب أمرك يا "مستر إكس"! ألا ترى أن أمثالي يوفرون عليك الصراخ والتوبيخ والمكائد وتعب الأعصاب، ألا تراني أدفعك دفعًا نحو الابتسام والهدوء في العمل، عاملني بهذا الشكل وانتظر النتيجة، هل خذلتك يومًا؟ لا لم يحدث.. إذن لماذا تصر على التمسك بطابعك العجيب المخيف لمن حولك، والمحبط تمامًا لأمثالي؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة