Close ad
18-12-2023 | 14:37

هل لغزة حقًا كل هذا التأثير؟!

هل يمكن للمنظومة العالمية بأسرها أن تتأثر بفعل بقعة جغرافية صغيرة كانت منذ سنوات محاصرة ومعاقبة؟! الحقيقة أننا نرى بالفعل إرهاصات تغيير دراماتيكي سيأتي بعد سنوات أو شهور من توقف الحرب في غزة، وهي تغييرات حتمية لمن يريد أن يقرأها ويستعد لها.

 أول تلك التغييرات وربما أهمها أن تكتيكات الحروب وإستراتيجيات المعارك تغيرت بالفعل؛ ليصبح السؤال الأهم هنا: كيف يمكنك التغلب على أعتى الجيوش بإمكانيات محدودة وبواسطة ميليشيات قتالية منظمة، أو قوة عسكرية ضعيفة؟
 البعض رأى أن أقوى أسلحة المقاومة الفلسطينية تجاه القوة الغاشمة الإسرائيلية سلاح الأنفاق.

وبالفعل تم استخدام الأنفاق عسكريًا بشكل بارع من جهة المقاومة، فمن خلالها كان يتم احتجاز الأسرى ونقلهم لتغيير أماكنهم باستمرار، كما تمت من خلالها كل العمليات النوعية الناجحة، والأهم في تلك الأنفاق أنها تظل مجهولة أمام العدو، فهو لا يدري حجمها ولا امتدادها ولا خريطتها، إنما هي مجرد تكهنات وظنون وتوقعات، والكلام يدور في إطار أنها تمثل شبكة عملاقة تفوق في تعقيدها وامتدادها الشبكة البريطانية للأنفاق، وكأنها مدينة كاملة تحت الأرض، بها من العتاد والمؤن، بل والمصانع، ما يكفي لتزويد القوات المقاتلة لعدة أشهر قادمة، ما يعني أنهم مستعدون لحرب طويلة لا تستطيعها إسرائيل ولا تحتمل تكلفتها الباهظة.

في تلك الأثناء كان بوتين يحقق مكاسب مستمرة على أرض أوكرانيا بعد أن فقدت الأخيرة دعمها الأمريكي والأوروبي لصالح جيش الاحتلال الذي بدأ يتلقى كل ما كانت تتلقاه أوكرانيا وأكثر، فالأولوية القصوى لدى الغرب هي إسرائيل!

ثم أشيع أن بوتين بدأ تحت تأثير إعجابه بالملاحم القتالية التي سطرتها المقاومة الفلسطينية يبني شبكة أنفاق شبيهة بشبكة مقاتلي غزة، وربما لا يكون الوحيد الذي يفعل هذا الآن سرًا، غير أن الأنفاق لم تكن هي العامل الوحيد للانتصار، فلا بد أن هناك عوامل أخرى نعلم منها القليل، وهي محل دراسة الجيوش الآن في كل العالم.

النموذج الأمريكي يتآكل!

لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الأفضل. فالنموذج الأمريكي في الأفضلية والتفوق ينهار بالفعل.

كنا نقول هذا ونبرهن عليه بأدلة مختلفة فيما سبق، أما الآن فالكلام مختلف؛ لأن هناك أصوات كثيرة بدأت ترتفع في كل الدنيا ضد الغطرسة الأمريكية، بل أزيد فأقول إن الداخل الأمريكي نفسه مناهض لسياساتها وأفكارها، لدرجة أن الكثير من قادة الفكر في أمريكا ذاتها يحذرون من أنها تفقد قواها الناعمة داخليًا وخارجيًا، وأن النغمة السائدة الآن هي نغمة الوقوف في وجه أمريكا وصلفها وغطرستها التي لم تعد تُحتمل. وهو ما بدا واضحًا للغاية في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن حينما وافقت جميع الدول على الضغط لوقف إطلاق النار في غزة، فإذا بأمريكا تقف منفردة في جانب وحدها لتعلن الفيتو ضد كل هؤلاء، وكأنهم بلا قيمة تذكر.

الحرب في غزة دعمت تلك النغمة؛ لأن فشل إسرائيل أمام المقاومة الضعيفة، وانهزامها الذي بات واضحًا للعميان هي في الواقع انهزام أمريكي؛ لأن السلاح الإسرائيلي بكامله سلاح أمريكي، والدعم الأمريكي كان حاضرًا في المعركة منذ اللحظة الأولى، الآن دعونا نفكر بطريقة الصين أو روسيا، وهي ترى خصمها الأمريكي اللدود ينهزم في غزة، بل وفي باب المندب، فكيف يكون تصوره لمعركته مع مثل هذا العدو الذي أبدى ضعفًا وانكسارًا؟! بل كيف يكون استعداده للمعركة القادمة المؤجلة بين الفريقين التقليديين.

 فريق الشرق والغرب؟ 

 ثمة مؤسسات ومنظمات ودول كانت على الحياد أو حتى في الجانب الأمريكي اضطرارًا، بدأت تفقد ثقتها وتأييدها لأمريكاـ لا لشيء إلا أنها ترى طريقتها في دعم المجازر الوحشية التي تنفذها إسرائيل دون رادع من قانون دولي أو مبدأ إنساني، وعلى الناحية الأخرى رأينا تأييدًا شعبيًا عالميًا للقضية الفلسطينية سحب البساط من إسرائيل الآن وإلى الأبد، ولن يكون تعامل شعوب العالم مع الاحتلال الإسرائيلي كما كان قبل حرب غزة.

نحو فلسفة اقتصادية جديدة

الفلسفة الاشتراكية تداعت وحدها منذ زمن لأنها لا تفي بمتطلبات العمل الحر المتجاوز للحدود. والفكر الاستعماري بشكليه المباشر وغير المباشر أثبت أنه يؤول مع الزمن للانهيار والضعف عندما تواجهه قوة أعتى وأكبر، كما حدث مع الإمبراطورية البريطانية. ثم ها هو الفكر الرأسمالي الاستغلالي يثبت كل يوم أنه قائم على مبادئ رخيصة تفضي إلى انهياره. مثل استغلال ثروات الشعوب ومقدراتها وهو ما تمت مقاومته في غرب إفريقيا مؤخرًا. ومثل الاعتماد على سياسات العمل المصرفي والائتماني الورقي والتي تفقد الاقتصاد قوته الحقيقية وتحوله لاقتصاد هش قابل للانهيار مع أي هزة، كما حدث في انهيارات البورصة والبنوك عام 2008 ثم عام 2020. ومثل السماح للاقتصاد الموازى والأسود والخفي أن يكون جزءًا من الاقتصاد القومي لبعض الدول، فيتحول مع الزمن إلى غول فاقد السيطرة، يقضي حتى على الاقتصاد النظيف ويتغول عليه، وتبدأ أنواع المافيا المختلفة في التكون حتى تصبح مشكلة مزمنة غير قابلة للحل، بعد حرب غزة ستحدث عدة متغيرات اقتصادية، منها أن المشروعات الإسرائيلية لتسهيل عمليات النقل انتهت للأبد، ولا أظن أنه سيوجد مغامر غبي يأمن على بضائعه في هذا الطريق المار بإسرائيل بعد أن بات استهدافها سهلًا ومتاحًا. ثم إن ما حدث في باب المندب قد يدفع المؤسسات الدولية لتغيير قوانينها الملاحية طبقًا لتلك المستجدات، بحيث يتم تحييد القوى المسيطرة على المضايق حتى وإن كانت طرفًا في معركة. أو أن يتجه العالم للطريق الآمن القادم، وهو الطريق الذي ستوفره الصين قريبًا جدًا، وهو طريق الحرير، وهو ما سيضمن للصين نفوذًا أكبر يخصم من النفوذ العالمي الأمريكي.

مصير القضية

 التغير الأكبر في مشهد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أن المعادلة كلها انعكست. لأن إسرائيل ستكون مضطرة لتقديم تنازلات كبيرة ليس الآن فقط وإنما لسنوات طويلة قادمة. وستصبح المقاومة الفلسطينية هي ورقة الضغط الدائمة ضد إسرائيل وداعميها.

 القضيىة الفلسطينية صارت لها الآن حاضنة شعبية عالمية أكثر اتساعًا وتأثيرًا عن ذي قبل. بغض النظر عن الإستراتيجيات التي رسمتها الإدارة الأمريكية لما بعد حرب غزة، فإن كل تلك الإستراتيجيات ستظل رهنًا بما توافق عليه المقاومة. وهي الآن في موقف قوة. وستظل كذلك لفترة طويلة قادمة.

 أغلب المحللين في إسرائيل يؤكدون أن المهاجرين والنازحين من إسرائيل إلى أوروبا وأمريكا لن يعودوا من جديد للمستوطنات، وأن المستوطنين داخل إسرائيل فقدوا ثقتهم في وعود وأكاذيب حكوماتهم، وستصبح هناك صعوبة كبيرة لإقناع العمالة القادمة من خارج إسرائيل لتدوير مصانعها وشركاتها التي توقف أغلبها بسبب الحرب، كل هذا يعني أن الحياة لن تعود في الداخل الإسرائيلي كما كانت من قبل. بل سيزداد التهديد والشعور بانعدام الأمان لدى كل المقيمين في المستوطنات، لاسيما تلك القريبة من بؤر القتال، كالمستوطنات الشمالية ومستوطنات الغلاف.

التفاهمات التي ستأتي في أية مفاوضات قادمة. وهي قادمة لا محالة. سوف تعزز موقف المقاومة الفلسطينية، بل وستصبح هى النموذج الأمثل لدى كل الفلسطينيين الذين رأوا كيف أخضعت المقاومة أعتى الجيوش وهزمتها هزيمة سيظل العالم كله يذكرها لسنوات وسنوات. 

 هكذا ستصبح المقاومة تتحدث بلسان نفسها دون الحاجة لوسيط. وسوف تكون قادرة بعد أيام قليلة أن تضع شروطها على موائد المفاوضات. وهذا للعلم والعمل به عند اللزوم!

 [email protected]

كلمات البحث