Close ad

كسارة البندق والشتاء

18-12-2023 | 10:38

جاء أول عرض لرائعة تشايكوفيسكي "كسارة البندق" في 18 ديسمبر 1892 وهي مقتبسة من قصة كتبها الروائي الفرنسي ألكسندر دوما الأب، وقد مكث ما يقرب من العام للانتهاء منها، وحين تم تقديمها للجمهور لم تلق إقبالا، فلم يعتاد الجمهور آنذاك على هذا النوع من الموسيقى الأوركسترالية، وفي الستينيات من القرن العشرين لاقت استحسانا جماهيريا لافتا وأصبحت ضمن الركائز الأساسية في ريبرتوار أي فرقة باليه.

ويعد من أكثر الأعمال الكلاسيكية المرتبطة بالشتاء، وتساقط كرات الثلج البيضاء من خلف النوافذ الزجاجية الباردة، وحرارة نيران المدافئ في البيوت، والخروج العائلي في الليالي الشتوية لحضور حفلات الباليه في الأوبرا.

وحين نتحدث عن العروض الأوبرالية فلابد أن نذكر بحيرة البجع والجمال النائم، وسيمفونيات هاملت وروميو وجوليت الأسطورية التي خلدت لقصة حب رومانسية، امتد تأثيرها عقودا طويلة، حتى وجدنا صورهم على اللوحات الفنية والأنتيكات الثمينة حتى الأقمشة والصالونات، رغم أنها اسطورة زائفة فقد اسقطت ورق التوت عن الموسيقار الروسي وانكشفت ميوله المثلية، وأن قصته التى جاءت بمثابة تعبير عن الرومانسية الدافئة التى تفوح بها المشاعر بين الأحبة، كانت بينه وبين تلميذه الذي أنهى حياته منتحرًا مما دفع تشايكوفيسكي لإنهاء مقطوعته الموسيقية "روميو وجوليت" بموسيقى حزينة.

وعلى الرغم من الحياة البائسة التى عاشها الموسيقار العالمي إلا أن موسيقاه أسعدت الكثير في شتى أنحاء العالم رغم أنه لم ينعم كثيرًا بالسعادة طيلة عمره على الأغلب، فقد فشلت زيجاته فضلا عن انحرافاته السلوكية والنفسية، وكان يردد مقولته الشهيرة: إن فكرة أن الاهتمام بموسيقاي سيثير الاهتمام بي شخصيًا هي فكرة شديدة الوطأة… وفكرة أن القوم في يوم ما سيحاولون سبْر العالم الخصوصي لأفكاري ومشاعري، وكل شيء حرصت على إخفائه طوال حياتي… لهي محزنة وغير سارة.

وقد وصفت طفولته مربيته الفرنسية "دورباك" قائلة: كانت حساسيته مرهفة جدًا، لذلك كان عليَّ أن أكون حذرة في التعامل معه، كانت التفاهة تجرحه بعمق، كان سريع الانكسار كالبورسلين، معه لم يكن هناك مجال للعقاب، إن التعنيف البسيط الذي قد لا يؤثر في الأطفال الآخرين يؤثر فيه بعمق ويجرحه.

إلا أنه لم يتوقف عن الإبداع، وكأن الإبداع كتب عليه أن يولد من رحم اليأس والاكتئاب، وهكذا حال العديد من المبدعين مع الأسف.

والشتاء لم يذكرنا فقط بموسيقى تشايكوفيسكي، بل بالاكتئاب أو ما يسمى الاضطراب العاطفي الموسمي، الذي يصيب البعض بحالة من الخمول والكسل والميل للعزلة وتقلب المزاج وربما الحزن، وقد تزداد الحالة سوءًا عند البعض، ويرجعها بعض الأطباء لقلة التعرض لضوء الشمس نتيجة ارتداء السماء لمعطف الغيوم.

وقد وصف الشاعر السوري نزار قباني هذه الحالة قائلا: وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ هنالكَ فصلٌ أسميهِ فصلَ البكاءْ تكونُ به النفسُ أقربَ من أيّ وقتٍ مضى للسماءْ.

ورغم هذا علينا أن نقاوم كل تلك المشاعر السلبية التي يشكو منها العديد من الناس نتيجة تغير الفصول فضلا عن الضغوط المحيطة، وهي أن أفضل الحلول هو حقًا التوجه الى السماء.

وتأكد أن المواجهة مهما كانت صعبة فهي أفضل حالا من الاستسلام لبراثن الإحباط المتكرر والاكتئاب المحقق الذي يبدو الوقوف عليه كالوقوف على رمال متحركة تغرسك نحو العمق دون مقاومة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة