Close ad

حكايات من الواقع.. خيوط الشمس!

17-12-2023 | 13:23
حكايات من الواقع خيوط الشمسخيوط الشمس
خالد حسن النقيب

شيء من ضمير كان من الممكن أن يغير حياتي كلها ولكني عشت أيامي بلا قلب أو أحاسيس أعشق المال وأسعي في ركابه لا ألوي علي شيء وأحترف الحصول عليه ووصلت احترافيتي إلي حد وصفي بأن التراب في يدي يتحول إلي ذهب‏ ويا ليت كل هذا يأتي من طريق حلال فقد كانت قناعتي أن الأخلاقيات والمثل الدينية ليست لها علاقة بدنيا المال والبزنس وأن الشاطر من يتمكن من الاتجار في كل شيء وأي شيء ولا يهم إن داس بقدمه وهو في طريقه علي المثل والأخلاقيات التي يراها بالية لا تصلح لهذا الزمن المكيافيللي الذي تدور تروس الحياة وآلياتها فيه علي منطق الغاية تبرر الوسيلة...

موضوعات مقترحة

في ظل هذه القناعة الشيطانية استمرت حياتي في اتجاه واحد لا أحيد عنه واجتمعت لدي ثروة وأخذت من الدنيا بهجتها وعنصري الزينة فيها المال والبنون بل وزاد عليهما الجاه بين الناس فقد كنت تاجرا شاطرا أتاجر في كل شيء كما قلت لك حتي حب الناس استطعت أن أستحوذ علي قلوبهم وأرسم لنفسي صورة مثلي وإطارا من الهيبة بينهم وبعد كل هذا امتلأت غرورا بالدنيا التي حيزت لي ولم أكن أعلم أن الدنيا يمكن لها أن تغدر بي يوما ما وأفقد زهوها وزينتها في لحظات خاطفة وكأنها البرق قدرا وفراقا لأولادي الثلاثة...!

كانوا شبابا في عمر الزهور أكبرهم مهندس معماري وأوسطهم طبيب بشري أما الصغير فقد كان أستاذا جامعيا, كنا نضحك ونملأ الدنيا بضحكاتنا أقف بينهم ملكا متوجا تتضاءل الدنيا في عيني, تنطلق بنا سيارة فارهة تلتهم الطريق نحو الساحل الشمالي,

كانت زوجتا ابني الأكبر والأوسط وزوجتي ينتظرن هناك ومعهم حفيدي الوحيد ابن أكبر أولادي وكنا نعد لزفاف ابني الأصغر هناك في فيلا الساحل, في الطريق كنت أتطلع إلي الشمس تشرق لتوها وكأني أراها لأول مرة ترسل خيوطها الذهبية تنعكس أضواؤها في عيني فتغشيها أكثر وأكثر, ينطلق ابني الصغير بالسيارة في سرعة فائقة يضرب بعجلاتها الأرض قوة وحيوية وتملكتني لحظة أحسست فيها أني أطير محلقا في السماء ومازالت خيوط الشمس الذهبية تحاوطني, تقترب أكثر فأكثر حتي تلاشيت فيها وأظلمت الدنيا من حولي, سكنت إطارات السيارة, إحساسي بالدنيا توقف وغبت عنها لأفيق علي ضربتها القاصمة.....!

حاولت أن أقشع الظلمة في عيني فلم أستطع, تجمد النور فيها سوادا وعتمة, أحرك قدمي فلا أجد بها حياة, صوت يقترب مني, يرثو لحالي.

كانت زوجتي تقرأ لي بعض آيات من القرآن الكريم كنت أشعر براحة لوقعها في نفسي وكأنها تطفيء نارا متأججة يضطرم لهيبها بركانا هائلا يوشك أن ينفجر, قالت لي زوجتي في كلمات مقتضبة, حزينة تمتليء لوعة وألما لقد ضاع كل شيء وانتزعت الدنيا منا أعز زينتها, أجل مات أولادي الثلاثة وكدت أموت معهم عندما انقلبت بنا السيارة في الطريق الصحراوي للساحل الشمالي لولا أن الله سبحانه وتعالي كان يريد لي بعض عيش أدرك فيه حكمته التي غابت عني عمرا......!

فقدت بصري وعجزت قدماي شللا, ماتت الحياة في قلبي فراقا لأبنائي وذبلت ثروتي وضاع أريجها, ها هي الدنيا التي امتطيت زهوتها تلقي بي علي الأرض بكل قوتها, تلفظني تأففا يأبي ترابها أن يضمني إليه حتي أكون إلي جوار أولادي

أكتب إليك سيدي من فراش عجزي وعتمة دنياي أملي من يكتب لي وفي كلماتي بعض نفسي وأشلاء الحياة فيها لعل شعاعا واحدا من أشعة الشمس يدب الحياة في نفسي من جديد, أردت أن أقول للناس من خلالك شيئا ربما يكون فيه عبرة لهم أما أنا فلم يعد لي غير أمل واحد قبل أن تفرض النهاية سطوتها علي رحلتي الغاشمة هو رحمة ربي وغفرانه أفكر خجلا ووجلا إن كان ربي يقبلني وأنا أطرق بابه تائبا ؟

هل يمكن لمثلي أن يتطهر من أدرانه أنا من غلبتني الدنيا وأتت علي, أتري الوقت ولي عني فلم يعد هناك منزع من رحمة أتعلق بخيوطها أملا في المغفرة ؟

كنت أعلم أنه لا توبة مع غرغرة الموت وها هي الحياة تحيطني بسياج غرغرتها, تطبق علي بقبضة النهاية وأنا أرتعد لها خوفا وفزعا من لقاء بربي لم أعمل له يوما في حياتي....!

أواجه اليوم مصيري وحدي دون مالي وولدي, ضاع جاهي وأذلتني هيبتي الواهية, انطفأ النور عني وتشابكت خيوط الشمس الذهبية وتواري بريقها إلي الأبد إلا من خيط واحد نوراني أتعلق به نحو السماء لعلي أطمع أن تنفتح لي علي قبس من رحمة ربي.....!

م. ن.

يا أخي ترفق بنفسك ولا تقنط من رحمة الله, فالله عز وجل رفيق بعباده إلي الحد أنه أقرب إليهم من حبل الوريد يرحم عباده ويقول لهم قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فلما تفقد إيمانك ويقينك في رحمته التي وسعت كل شيء وهو الرحمن الرحيم.. ألم يقل سبحانه وتعالي في محكم آياته: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم علي نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم, الأنعام:54]. أما عن زهو الدنيا وبريقها الزائف الذي أخذ عينيك فهذا هو الاختبار الأعظم في تاريخ البشرية منذ أن بدأ الخلق وأكل أبونا آدم من التفاحة ونزل بها إلي الدنيا وتلاحقت الاختبارات الدنيوية وإرهاصاتها الأولي بدماء هابل علي يد أخيه قابيل حتي يتعلم الإنسان كيف يواري سوأته..

وأنت يا أخي كغيرك من البشر ضعفت نفسك أمام الدنيا وظننت أنك قد امتلكتها ولم تفق من غشيتها إلا بالصدمة الأعظم في حياتك بفقدك أولادك وبصرك وعجزك عن الحركة.. تلاشت الغشاوة الشيطانية عن قلبك وعينيك لتبرز حكمة ربك في خلقه وتتضاءل قيمة الدنيا التي لا تساوي عند خالقها جناح بعوضة.

لا تخف يا أخي فكلنا خطاؤون والأوزار تحاوطنا ولكن العاقل منا من لا تعميه الدنيا حتي تأتيه الغرغرة وينهشه الموت بأنيابة فتضيع فرصته الأخيرة في النجاة بنفسه من عذاب يوم القيامة.

لم تفرض عليك الغرغرة سطوتها بعد يا أخي وتوقيت النهاية لا يعلمه غير الله عز وجل فاعشم في ربك قدر ما تستطيع من رحمته ولا تخف وكأن الدنيا تمتد من أمامك ولم تغادرك لعلها تكون بداية جديدة لنفس طيبة تولد بداخلك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة