Close ad

قلوب لا تعرف اليأس!

16-12-2023 | 11:12

الدائرة الحمراء على خلفية بيضاء ناصعة، شعار اليابان التى سماها الصينيون بلاد الشمس.. ها أنت ذا فى بلاد يندمج فيها سحر الطبيعة والتاريخ بشتى مظاهر الحداثة وأشدها إبهاراً.. وبما أنك زائر كأى سائح يزور اليابان لأول مرة، فإن مزارك الأول سيكون بالضرورة العاصمة طوكيو كأحد أشد مدن العالم ازدحاماً وإن كنت لا تشعر بمغبة التكدس السكانى، بل فقط بالدفء والحبور والانبهار الشديد..

ليالي طوكيو

قفزة سريعة إلى المستقبل، هو شعورك لدى وصولك إلى طوكيو، كأنك انتقلت عبر الزمان والمكان معاً!
محطة شينجوكو من أكبر محطات القطارات لا فى طوكيو وحدها بل فى العالم أجمع؛ إذ يرتادها ما يربو على 3,5 مليون راكب يومياً.. ويخيل لك أنها متاهة ضخمة من الممرات والسلالم المتحركة ومنصات الصعود والهبوط! ورغم الزحام لا تكاد تشعر بأى فوضى أو تكدس، ولا يمكن أن يصطدم شخصان بفضل انتظام أهل اليابان فى صفوف طبيعية كأنهم جنود منظمون بلا قائد! هذا ما جعل اليابان تشتهر بين كل دول العالم بشعبها الأكثر تحضراً ورقياً والتزاماً بالنظام، لدرجة أن تتخلى شوارعها عن ضباط المرور بعد استغناء السيارات ذاتية الالتزام عن خدماتهم!

 نهار طوكيو يبدو أهدأ من ليلها، بينما يقبع اليابانيون خلف جدران المصانع والشركات والبنوك والجامعات فى عمل متصل طويل.. ثم يأتى الليل كأجمل وأبهى ما تراه أعين الزائرين.. يحاول الظلام سبغ أستاره السوداء على شوارع العاصمة اليابانية، فإذا الأضواء المبهرة شديدة السطوع من كل لون تحيل شوارعها إلى مهرجان دائم، تندفع فيه الأضواء المتحركة صعوداً وهبوطاً على واجهات المبانى فى حى شينجوكو أرقى وأجمل أحياء المدينة المبهرة..

 وكأن الناس فى انتظار الغروب لتمتلئ الشوارع بالناس من السائحين والسكان حدَّ التخمة.. أول ما يأخذ بصرك نوافذ العرض المكتظة بالإلكترونيات الأحدث عالمياً والشاشات الضخمة تعمل كلها فى وقت واحد كإعلانات براقة خاطفة للعيون، فى الوقت الذى تنبعث فيه رائحة شواء وجبات "الياكيتورى" من الأزقة الضيقة فى المدينة الصاخبة العامرة بما طاب وأمتع..
 
أخذتنا الأقدام إلى شارع متسع ذى طلة باريسية عجيبة، وعلى مقاعد المقهى الراقى جلست سيدة أنيقة وفى يدها سيجارة يتصاعد منها دخان لا يقارن بما تشتعل به صدور عشاق الجمال! 

هكذا مرَّ بنا الليل كلمح البصر فى دروب الفخامة والرقى والأضواء البراقة فى مدينة أخرى لا تعرف النوم!

كيف تتحول إلى رصاصة؟!
 
انطلاقة اليابان فى أعقاب هزيمة الحرب وسقوط قنبلتى هيروشيما ونجازاكى لا تشبه أية انطلاقة اقتصادية أو تكنولوجية أخرى.. كأنها رصاصة موجهة إلى قلب الإحباط..

 بدأت اليابان من تحت الصفر لتصل إلى مرتبة لايضاهيها فيها إلا أمريكا والصين اقتصادياً وصناعياً وتكنولوجياً! ولتصبح الماركة اليابانية هى الأفضل بين الماركات العالمية وليتصدر علماؤها قائمة الفائزين بجائزة نوبل فى الطب والكيمياء وفيزياء الكم. 

هذا ما سيدور فى خلدك وأنت تتجول بين شوارع مدينة طوكيو وتستشعر مدى ثرائها وغناها بمجرد التجوال بنظرك بين شرائح البشر.. شباب بملابس أنيقة وأحذية لامعة وقامات متناسقة وعضلات تكاد تمزق ما التف حولها من ملابس مع تسريحات شعر عجيبة تنم عن مدى التماهى بين الثقافة اليابانية والأمريكية. 

وفى المقابل ترى سيدات المجتمع يرتدين أزهى وأرقى الملابس ويحرصن على حمل حقائب غالية الثمن لأشهر الماركات العالمية ما يشي بمدى ما يحظى به اليابانيون من رغد العيش.. كيف لا وقد بلغ الناتج المحلي السنوي لليابان ما يقارب 4,5 تريليون دولار.. لا أستبعد فى ظل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى وانتشار موضة الروبوت أن يأتى اليوم الذى يسير فيه الرجل اليابانى مصطحباً خادمه الآلى فى تجواله اليومى!

 لن تكتمل زيارتك لليابان حتى تجرب شعور التحول إلى رصاصة آدمية تنطلق بسرعة 300 كم فى الساعة، وهو ما يحدث عندما تستقل قطار الشينكانسن أو قطار الرصاصة، حينها تتعلم كيف يصبح وقتك أثمن ما لديك، وكيف نهجر ثقافة الدعة والرفاهية والركود إلى ثقافة التفوق والسرعة والريادة.. وفى لحظات يأخذك القطار السريع إلى اليابان ما قبل الحداثة.. هناك فى مدينة كيوتو..

ثقافة الساموراى والسومو

 فى كل بلد تزوره لابد أنك تفتش عن معالم ورموز تعلم بوجودها مسبقاً وتبحث عنها..

تفتش عن مسرح الكابوكى الفلكلورى، وربما عن ساحات الفنون القتالية التقليدية وفى مقدمتها السومو الرياضة الوطنية فى اليابان، ويدفعك الفضول للبحث عن مظاهر الحياة اليابانية القديمة كالبيوت التقليدية والأزياء الشعبية كالكيمونو واليوكاتا..

تعرف الماركات اليابانية الشهيرة تويوتا وهوندا وفوجى فيلم وسوني وباناسونيك وتفاجأ بعشرات الماركات المجهولة لك تملأ المتاجر فى بلد تتصدر قائمة الدول الصناعية.. ثم يعود بك القطار السريع القهقرى إلى اليابان القديمة فإذا بك أمام مشهد مختلف تمام الاختلاف..

كيوتو تلك المدينة الإمبراطورية المصممة على غرار رقعة الشطرنج.. لا يُسمح فيها بتشييد المبانى العالية، وإنما فقط البيوت القديمة على الطراز اليابانى التقليدى.. مدينة تاريخية تزخر بعدة معابد وقصور وحدائق لا تستطيع أن تستوعبها جميعاً إلا فى زيارات طويلة على مدار عدة أيام.

 لقد ظلت مدينة كيوتو هي المركز السياسي والديني في اليابان لقرون عديدة. ومع بداية صعود الساموراي، وهم طبقة المحاربين القدماء في اليابان، وبداية فترة توكوغاوا، انحصرت أهمية مدينة كيوتو وتقلص تأثيرها، وأصبحت مدينة إيدو، المعروفة باسم طوكيو حالياً، هي المركز السياسي والعسكري للسلطة الجديدة.

يوشيمورا أخصائ المصريات
 
الجميل أن اليابان باتت اليوم منفتحة على ثقافات العالم ما أتاح لها أن تتأثر بثقافات وحضارات عدة أخرى بعيدة عنها، لكنها تحافظ فى الوقت نفسه على ثقافتها الخاصة.. لهذا بات الدين الإسلامى سريع الانتشار اليوم فى اليابان عما مضى..
 
يوشيمورا أستاذ علم المصريات فى جامعة وسيدا حدثني عن احتفاظ مدينة كيوتو بطبيعتها التاريخية وتميزها بالعديد من جواب الجمال والتراث.. تسير بين المطاعم الفاخرة فى حى جيون والستائر تغطى أبوابها، وقطرات الماء لا تزال تتساقط من أسقفها البارزة بعد أن أشرف المطر الخفيف على التوقف. أجواء رومانسية رائعة تكتمل بمشهد الشجيرات والأزهار ونباتات الزينة المطلة من شرفات المنازل، ثم إذا بك أمام أحد عروض الترفيه المقدمة فى العراء وأبطالها من فتيات الجيشا بأزيائهن الشعبية على رصيف الطريق المبتل لتشعر كأنك جزء من مشهد سينمائى يابانى قديم!

 وصلت مع رفقتى إلى معبد كينكاكوجى، يقع شمال كيوتو، والغيوم لا تزال تغطى رؤوس الجبال منذرة بالعواصف.. 

وصلنا فوجدنا أمامنا سرادقًا ذهبيًا  وسط بركة مياه ينعكس على سطحها بريق السرادق، كأنه نبت من كتاب حكايات.. قيل إن عام 1950 تعرض لحريق كبير بسبب شاب بوذى لم يتحمل روعته وجماله فأحرقه، حادثة استفاض الكاتب يوكيو ميشيما فى وصفها فى كتابه "حريق المعبد".. أُعيد بناء السرادق وتجميله برقائق الذهب من جديد.. إنه المكان الرومانسي المثالى لمحبي الهدوء والعزلة والاسترخاء فى أجواء شاعرية خلابة، ووسط أمطار لا تكاد تتوقف على مدار العام..

عودة للصخب والزحام

 بالعودة إلى طوكيو تنتهى أجواء الشاعرية المثالية ليرتد المرء إلى الشوارع المزدحمة والشاشات العملاقة وبريق الأضواء الأخاذ.

إن صورة طوكيو تنطبع فى ذهنى من خلال حى شيبويا أحد أهم مراكز الأعمال فى العاصمة، مشهور بالأزياء والملابس وبيوت الموضة، شارع تكشيتا ملغم بمتاجر تصطف اصطفافاً وأمام كل متجر كاميرات تلتقط صور الأزياء الحديثة إما لمجلة أو جريدة أو موقع سوشيال..

 ملاحظة مهمة أكدها البروفيسور يوشيمورا أن طوكيو تمتص أغلب طاقة اليابان، وهو أمر منطقى.. لهذا كان الناتج المحلى لطوكيو وحدها يعادل ناتج بلد كامل كالنمسا أو تايلاند! والواضح أنها تمتص طاقات البشر بطريقة أو بأخرى.
 
لقد سرت وتنقلت بين مدن وشوارع طوكيو واليابان كسائح فضولى يبغى ملء عينيه بأماكن تبدو كحلم، لكنى أعلم أن المدينة التى لا تهدأ تخفى خلف جدرانها أيادي من حديد وعقول من ذهب وقلوب لا تعرف اليأس جعلت اليابان ما هي عليه اليوم.
 
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة