Close ad

فلسطين.. البئر الأولى والأخيرة

6-12-2023 | 14:28
الأهرام العربي نقلاً عن

قبل ربع قرن هاتفني من الكويت الشاعر والروائي والمترجم الفلسطيني محمد الأسعد، كنا في الطريق إلى إصدار العدد الأول من مجلة «العصور الجديدة» التي كانت ستصدر عن دار نشر «العصور الجديدة»، تحت رعاية وبتشجيع من المناضلة الراحلة راوية عبدالعظيم.

جاء صوته مختلطًا بنشيج عميق: أنا معك، محررًا ومشاركًا، ولديّ نص عنوانه «نص اللاجئ - ذكريات القبيلة الضائعة»، أرجو أن ينشر في القاهرة.

بعد أيام وصلني النص بالبريد، «رواية غير خيالية»، لم تكن بالأحرى رواية، بل كانت نصًا تسجيليًا مؤلمًا.

شرعت في قراءته على الفور، انتهيت منه في جلسة واحدة، كان نصًا نادرًا عن الفلسطيني العميق، المهجر، اللاجئ، غريب الوجه واللسان، وإن حط في بلد «عربي».

برغم قسوة التجربة، لا يميل الأسعد إلى اللغة الفضفاضة أو العاطفية، بل يكتب كجراح ماهر، ويحذف أية زوائد لغوية.

نشرت الرواية، الوثيقة في أحد أعداد «العصور الجديدة» كاملة، ثم نشرت فيما بعد في كتاب، والآن أعيد قراءتها بنظرة مختلفة، وأتساءل من أين تبدأ الحكاية؟ حكاية المجازر الصهيونية لكل إنسان فلسطينى في أى مكان، وكيف تم تهجير شعب عظيم، كان أول من اكتشف القمح قبل عشرة آلاف عام؟
لا ينسى الأسعد فكرة العودة ذات يوم، سوف يخرج فتى يشبه حنظلة، صاحب ناجي العلي، يقود الجميع إلى العودة، ويقول عن صاحبه: «لم يكن ناجي العلي في هذا السياق إلا الضميرَ الذي يستيقظ على الحقيقة، وراعي الأمل في العودةِ إلى الوطن، وترسيخِ هذا الأمل، ونشرِ حكاية اللاجئ المظلوم، اللاجئ المصمم على استعادة إنسانيته وهو يشق طريقه إلى فلسطين».

والآن تتحطم الأساطير والخرافات على أرض فلسطين. ينهض فلاحوها البسطاء، والفلسطيني لا ينسى أنه سيعود يومًا، فقد أرادت عصابات الصهيونية أن تقتلع معناه، فإذا بها تحوله إلى أيقونة عالمية.

هنا فلسطين، الزيتون والتين والعنب، واللوز والتفاح والجوز والمشمش، والقمح والشعير والفول والحمص، هنا الزعتر، هنا النطوفيون، واليبوسيون، والكنعانيون، أسلاف العرب الحاليين.

هنا فلسطين العربية، جاءها الغرباء في غفلة نادرة، دنسوا وديانها وهضابها وجبالها، سالت دماء أبنائها أنهارًا، اختلطت بالتراب والهواء، يقول كاتب أمريكي: هنا تقع حرب عالمية على أرض ضيقة.

من كل فج عميق تساقطوا عليها كالذباب، طردوا أهلها الأصليين، وصموهم بلفظة اللاجئين، والفلسطينى يشعر بالعار حين يوصم بـ «اللاجئ».

يتذكر الأسعد المشاهد كما جرت: «في أوائل العام 1948، وكانت قـد مرت بضعة شهور على سقوط «حيفا»، أكملت عصابات «الهاجاناه» اجتياحَ قرى الكرمل وتدميرها، وتوزع أهالي هذه القـرى، ومنها عين حوض، وأجزم، وعين غزال، وأم الزينات، وأم الفحم، على بقية القرى الفلسطينية، متنقلين من قريةٍ إلى قريةٍ، وصـولا إلى فلسطين الشرقية، وكان نصيب معظمهم التدفق على “جنين” وما يحيط بها.

فى «جنين» اكتشف الأسعد الطفل قسوة لفظة «اللاجئ»، يقول بألم ظل يرافقه إلى أن توفى في عام 2021: «فى هذا المكان بالذات ولدت كلمة «اللاجئ»، أطلقها سكان “جنين”، و«طولكرم»، و«عانين»، وبقيةُ سكان فلسطين الشرقية على هؤلاء القرويين القادمين من الساحل».
ولهذا خطرت لأبيه «فكرة أن يرحل عن هذا الجحيم»،
قال والدى يخاطب الأم: - دعينا نمضى إلى العراق.
- ماذا نفعل هناك؟
- سنلتقط التمر.. وسنبيعه.. هذا أفضل لنا من هذا الإذلال.

سيقول والدى متحسرا: وهو يجلس على مقهى في الجنوب العراقى فيما بعد: «ليتنا متنا هناك».

أكثر من 20 ألفا ما بين امرأة وشيخ وطفل وشاب تم شحنهم إلى العراق، وهناك يقول الأسعد: «كان التجمع عشوائيا، حيث تجاورت طبقتان، طبقة مالكى الأرض، وهم شيوخ عائلات بدوية الأصل وباشاوات من العصر العثمانى، وطبقة الفلاحين في مكان واحد، إلا أن هذا «الخطأ» تم إصلاحه فورا، إذ تقدم أقطاب العائلات بالتماس، وتم تبنيه من قبل الحكومة العراقية، طلبوا فيه إعطاءهم وضعا خاصا، إذ ليس من المعقول، حسب تعبيرهم، أن يحشروا مع «فلاحيهم» في مكان واحد.

واستجابت الحكومة العراقية، فأفردت لهذه «العائلات الكريمة» أوالمقدسة مساكن خاصة.

أما المأساة فكانت في اسم مأوى اللاجئين، يقول تم: «توزيعهم على مدارس يهودية واسعة في بغداد والبصرة، مدارس أعطاها الجميع - وكأنما بتوافق عجيب - اسم التوراة، فكانت هناك توراة لاجئين أولى، وثانية، وثالثة، وهكذا.. وليستيقظ أطفالهم فيما بعد، فإذا هم من سكان التوراة».

يبدو الأمر خدعة ماكرة، شاركت فيها قوى إقليمية ودولية، لكن الفلاح الفلسطينى القديم لا ينسى، ولن ينسى، الطريق إلى العودة، حيث البئر الأولى، كما يقول جبرا إبراهيم جبرا.

كلمات البحث