Close ad
4-12-2023 | 11:52

"أنا تهت.. وقبل ما أتوه نسيت.. وقبل ما أنسى ماكنتش عارف.. الساعة كام الميعاد.. الإنسان منا دائمًا أحلامه في ناحية ودنيته في الناحية التانية.. إن مشى في سكة الأحلام مش ممكن يوصل للدنيا، وإن مشى في دنيته مهما طال به الطريق مش ممكن يحصل أحلامه.. لكن أقسى شيء ممكن يبتلى به هو الوحدة.. العزلة.. الانقطاع.. وعلشان كده إللي بيوصل خير من اللي بيقطع، لكن يعمل إيه بني آدم في انقطاع دنيته عن أحلامه، وانقطاع سكته عن غرضه، وانقطاع اللغة عن التعبير، وانقطاع الذاكرة، وانقطاع المعرفة عن الفهم، وانقطاع الذكاء عن المصلحة.. وانقطاع الوالد عن ولده".. 

هكذا وصف الكاتب والمؤلف المسرحي ألفريد فرج حالة الازدواجية التي يعيشها الإنسان بين حياته وأحلامه، وقد رحل ألفريد في مثل هذا اليوم عام 2005 عن عمر يناهز 76 عامًا تاركًا مؤلفات ومسرحيات لها تأثيرها العميق، فقد كان متمردًا ثائرًا منذ نعومة أظافره حتى أن تم اعتقاله 5 سنوات، نتيجة ارتباطه بإحدى الحركات اليسارية، فضلا عن مؤلفاته مثل "حلاق بغداد" و"سليمان الحلبي" التي كانت بمثابة صيحة غضب ضد المحتل وتناولًا فلسفيًا لفكرة الحرية والعدل والاستقلال، "وعلى جناح التبريزي وتابعه قفه" و"الزير سالم"، ثم "النار والزيتون" عام 1970 والتي رصدت محنة الشعب الفلسطيني وبحر الظلم الغارق فيه منذ ما سمي بـ "وعد بلفور" وحتى يومنا هذا وكأن الزمن لم يتحرك، وساعات الظلم ثقيلة من فرط امتدادها، فقد احرقت نيران العدو الصهيوني شجر الزيتون وبات خضاره مسودًا.

وقال فرج في مؤلفه "الزير سالم": إن التعس المغلوب يفقد كل شيء إلا حقده على الظالم وهو كرامته، ولكن التعس الغالب يفوز بكل شيء إلا نصره  الأخير، وهو أن يأمن جانب ضحاياه، يظل يخافهم وينكل بهم، وكلما ازداد بهم تنكيلا زاد رعبه من انتقامهم، وكلما 

ازداد رعبه زادهم تنكيلا، يحقد ويبطش ويرتعد، إلى آخر المدى، بلا أمل في الشفاء، وهذا هو ذله… وكأنه وصف تشريحي بليغ لنفوس الأعداء.

لقد كان وليد كفر الصيادين التابع لمدينة الزقازيق محافظة الشرقية، متفردًا في الوصف الدقيق لمشاعر الغضب المتراكم على جدران النفس من الظلم المدقع، وكان بارعًا في في تفعيل الحماس الثوري بمفردات هادئة، وكأنه مزيج حصري بين الثائر والمبدع والفيلسوف، ولما لا وقد تعاطى جرعات الأدب من شكسبير وبرنارد شو وأوسكار وايلد، ثم أدمن توفيق الحكيم.

 ورغم تمرده الخافت لم يتجاوز محطات القلب ودروب المشاعر، بل غاص في أغوارها وقلبها يمينًا ويسارًا وخط في مؤلفه "الأميرة والصعلوك" هذه الكلمات: المحب يرى الحبيب للمرة الأولى فى كل مرة يراه فيها ولو بعد ألف مرة. الحب هو اكتشاف الحبيب طول العمر دون أن يصل إلى حفظه أو قراءته وهو مغمض العينين.. الحبيب لحبيبه سر خافٍ ولغز صعب.. الحب هو تكرار السؤال: ما هو الحب؟ بلا جواب شاف.

وأرى أنها عين الصواب، فالحب حالة أقرب إلى الخيال، مترامية الأطراف، يصعب تعريفها أو وصفها، وكيف لأي شخص أن يصف ما بداخله كما ينبغي أن يكون، إلا في حال يخترعون جهاز "سونار"، كذلك الذي يصور الجنين داخل أحشاء أمه! فضلا عن أن سحر الحب يكمن في حالتي اللاوصف واللاتعريف، فلكل منا أحاسيسه المختلفة تمامًا لا أحد يشبه أحدًا في طريقة حبه، وكأنه بلا كتالوج وهو الأصوب.. فقد تمضي حياتك دون الوقوع في الحب الحقيقي، وليست حياة أقسى من هذه، ولكنه رزق لو قدر لك تذوقت حلاوته ولوعته، وإن لم تجده تغدو شقيًا متجردًا جافًا…

وليس أعظم من حب الوطن فما بالنا بالشعب الفلسطيني الذي أرغمه العدو على تحويل سنابل القمح الذهبية إلى قنابل قوية مهما كانت بدائية.

كلمات البحث