Close ad

حكايات من الواقع.. الحب وبقايا إنسان!

3-12-2023 | 14:56
حكايات من الواقع الحب وبقايا إنسانالحب وبقايا إنسان - صورة موضوعية
خالد حسن النقيب

مساحة قدرية كتب على أن أجتازها بين الحياة والموت جعلت منى إنسانًا جديدًا غير من كنت على استهتار وغى وبت لا أستشعر العيش بغير الحب الذى أنكرته كثيرًا فمن قال إننا نعيش الآن زمن بلا حب ومن ذا الذى يدعى أن الحياة ما وجدنا فيها إلا لكى نتصارع ويفترس الأقوى فينا الأضعف وإلا ما كان للأديان فى قلوبنا وجود، فالله زرع فينا الحب ولكنا نحن من أهناه عندما ألبسناه ثوب المصلحة، قد تعجب لما أقول وأنا شاب عشرينى من أبناء هذا الزمان لم أؤمن حقا بالحب والرومانسية وكنت أتعايش بصداقات أكثرها سيئة أو كما كنا نطلق عليها "شمال" ولم أعرف معنى لشئ فى حياتى غير المتعة لا أدرك حتى ما كان منها حلالا أو حراما وفى يدى من المال ما يعمينى ويعجز تفكيرى ووعيي فأمى تغدق على بمالها نكاية فى أبى ووالدى يفعل معى نفس الشئ ولا يعلمان أن المال لا يداوى قلبا ممزقا بينهما تسطحت كل المعانى فى ذهنه إلا من ضياع يحاوطه كسياج حديدى يجثم على أنفاسه يكاد يخنقه .. !

موضوعات مقترحة

فى الجامعة كنت مميزا بين أقرانى وكيف لا وأنا من ينفق عليهم ولى "شلة" هم أسوأ منى حالا اجتمعت شياطينهم مع شيطانى واتخذنا طريقا واحدا غير إنى كنت على موعد مع قدر غير كل مسارات حياتى وكأننى ولدت معه من جديد، أجل لست أنا من يكتب لك الآن وقد تغير كل شئ بداخلى عندما وجدتنى أواجه الموت وأقترب منه إلى حد النهاية، فجأة أتعرض لحادث مرورى وأفترش سريرا أبيضا مكبلا بخراطيم وأجهزة وجدران صماء تحاوطنى بسكون مطبق كأنه الموت قد تجسد فيها وينتظر فاغرا فيه اللحظة التالية التى تختنق فيها الأنفاس وتتلاشى ويسكن كل شئ فى الجسد ويلتهم حياتى المفعمة بكل هذا اللهو وعذابات المرض .

رأيت أمى تبكى وإلى جوارها أبى كانا يقفان خلف ذالك السياج الزجاجى الذى يحاوطنى وكانت أول مرة أراهما فيها سويا بلا شجار ترتجف أمى باكية فيحاوطها والدى بزراعيه مهدئا.. ما هذا هل كان بينهما حب.. هل توارت ظلمة الكراهية بينهما الآن وتوافق المشهد الأخير لصراعهما مع المشهد الأخير لى فى الدنيا .. هل يدركان أنهما من فعلا بى هذا؟ ولكنهما ليسا من أمرضانى بل أتيا بى هنا إنقاذا لى.. !

ثلاثة أشهر انقطعت لها وحيدا فى العناية المركزة وزجاج كأنه نافذتى على الدنيا لا أرى منه غير أبى وأمى وقد تبدلا وأتساءل هل تتبدل حياتى مثلهما أم هى النهاية لا مفر منها ؟

فى النهاية انقشع كل شئ السكون وتكتكات الأجهزة وصفيرها الخافت وانزاح ذلك الجدار الزجاجى وكان والداى هذه المرة يبتسمان لى وأيديهما تتشابك من حولى .. لأول مرة أشعر بهذا الحضن الدافئ وتتسرب إلى نفسى مشاعر وأحاسيس لم أكن أعرفها من قبل، تلك التى قضت على أواصر الخلاف بين والدى ووالدتى وجمعت بينهما ثانية من أجلى، أحاسيس لم أعهدها من قبل ولكنى وجدتنى أتعايش بها بعد ذلك فقد خرجت من المستشفى شخصا آخر وعشت فى كنف أبى وأمى وقد عادا للحياة سويا .

ما كل هذا ؟ لم تكن هكذا صورة الحياة التى أعيشها ولست أنا من يسكن جسدى لقد تغير كل شئ حتى أصحابى لا أعرفهم ولا أعرف نفسى التى أنا عليها الآن .. خرجت للحياة بروح جديدة لا تعرف شيئا عن زهوها وملذاتها أجتهد فى دراستى أحاول أن أعوض ما فاتنى حتى التقيت بها .

فتاة فى مثل سنى تعمل فى أحد محلات بيع الملابس فقيرة ولكنها تعتز بنفسها وكرامتها غير كل البنات التى عرفتهن من قبل، لم يجذبنى إليها جمالها ولا أنوثتها إنما جديتها وحالة من الهدوء النفسى تملكت منى عندما رأيتها، طلبت منها أن نتصادق فرفضت وقالت لى ليس هناك صداقة بين رجل وامرأة إلا والشيطان بينهما وأنا فتاة ليست للحب ولا حتى مؤهلة للزواج لأنى لم أكمل تعليمى و"أجرى" على "كوم لحم" فأنا ابنة لعامل باليومية أقعده المرض ولم يعد هناك عائل للبيت غيرى ولدى أشقاء صغار متعلقين فى رقبتى .. وطلبت منى أن أبعد عن طريقها ولكنى ازددت تعلقا بها وأخبرت والداى بها والمدهش أنهما لم يرفضاها ولم يريا فيها مستوى متدنى عن مستوانا الاجتماعي وهرولت إليها أخبرها أنى وأسرتى سنأتيهم طالبين يدها وأعدها أن أتحمل عنها مسئوليتها تجاه إخوتها الصغار فقالت إنها غير مؤهلة للزواج ولم أفهم إصرارها على الرفض وألححت عليها حتى أخبرتنى إنها تعرضت لجريمة اغتصاب من بلطجى كان يسكن فى شارعهم اعتدى عليها وهرب وقالت إنها تعلم أنه ليس هناك رجل يمكنه أن يغفر لامرأة أنها كانت لرجل غيره حتى لو كان عنوة وغدرا فأهلت نفسها أن تعيش وحيدة فى الدنيا حبيسة جريمة لا يد لها فيها .. !

تجمد كل شئ بداخلى، الإحساس الخافت بالحب الذى تسرب إلى قلبى وتراقصت خيالات شقاواتى مع البنات أمام عينى وكيف كنت أستهين بهن وكأنهن خلقن للمتعة فقط وكل شئ أشتريه بالمال وكأنى بلطجى ليس بقوتى أفترى على الناس ولكن أتجبر على غيرى بمالى .. غادرتها تائها لا ألوى على شئ، لا أعرف إن كنت على أعتاب محنة أخرى على أن أجتازها ولكن ما أواجهه ليس موتا تنتهى به الحياة ولكنه حياة أيسر منها الموت واختيار مستحيل لا مفر منه .. !

كيف لمن كان ذئبا أن يتحول إلى حمل ضعيف ؟ وهل تبدأ الحياة الجديدة بفاتورة باهظة لزاما على أن أدفعها تكفيرا عن حياتى الماضية؟

 

و . ع

يا ولدى ليست هناك حياة ماضية وحياة أخرى فحياتك واحدة تنتهى بانتهاء الأجل الذى اقتربت منه لحكمة أرادها الله لك هداية ونورا لظلمة كانت تعميك عن إنسانيتك وربك كيف تتقيه فى نفسك وغيرك ولعلك لم تكن مذنبا فى حق نفسك كليةً وإنما كنت ضحية لانجراف أبويك وراء خلافاتهما وعناد لم يحترق به غيرك ولعل أزمتك الصحية أفاقتهما من سكرة العناد والتناحر فعادا يلملمان بقايا الإنسان فيك ويرممانها كما تعافيت من الحادث القاتل الذى تعرضت له وربما يفسر ذلك تفهمهما لظروف فتاتك المادية المتدنية وموافقتهما عليها ليس إرضاء لك وإنما لكونهما فهما حقيقة الحياة وأخذا من سوء تجربتهما درسا أنضج وعيهما وعليك الآن أن تنضج بوعيك وترى الدنيا برؤية متجددة، انفض عن نفسك تراب الماضى وخطاياه وتطهر بإرهاصات واقع تراءت لك سكينته وأحببته لولا أن شيطان الماضى يحاول أن يوسوس لك ويستذلك ويغويك حتى تعود لعالمه .

ما ذنب فتاة أنها كانت ضحية لحيوان افترسها رغما عنها غير إنها ضحية لتجبر إنسانى فرضه واقع عشوائى أحاط بحياتنا فتوارت معه المثل الدينية والأخلاقيات المتوارثة .

يا ولدى لا تكن ظالما لنفسك ولمن أحببت ولا تعود لتجبرك فى الماضى فمن دعته قدرته على ظلم الناس عليه أن يتذكر قدرة الله عليه وإما تكمل مشوارك مع من أحببت وتنتصر على ضعفك مع أول اختبار لك فى مشوار حياتك الجديد وإما أن تتركها لحالها ولا تزيد من آلامها فبها ما يكفيها من غيرك .

و تذكر يا ولدى قول الله تعالى فى محكم آياته "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" النور 22

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة