Close ad

كرة القدم تنتصر لفلسطين ضد عدوان الاحتلال الصهيوني

29-11-2023 | 22:38
كرة القدم تنتصر لفلسطين ضد عدوان الاحتلال الصهيوني فلسطين
ياسر أيوب
مجلة الأهرام الرياضى نقلاً عن

عبارة قالها يومًا الشاعر والأديب الفلسطينى الكبير الراحل محمود درويش قد يقتنع بها البعض أو لا يقبلها بعض آخر.. ولا أعرف هل الأكثر عددًا الذين اقتنعوا أم الذين لم يقبلوا.. فقد قال درويش إن الفلسطينيين من حقهم أن يحبوا كرة القدم ويحتاجون لأن تخرجهم كرة القدم بين الحين والآخر من روتين الموت.. فقد كان درويش من العشاق الكبار لكرة القدم ويتابع مبارياتها وبطولاتها وحكاياتها.. ومن المؤكد أنه لاقى من ينتقده ويعاتبه متسائلاً كيف يكون فلسطينيًا صاحب قضية ويبقى فى نفس الوقت عاشقًا لكرة القدم.. أو كيف يستقيم الأمر أن يدافع درويش طوال الوقت عن الحق الفلسطينى وينتقد ويهاجم جرائم إسرائيل ثم يفاجأ الناس بنفس الرجل يكتب عن مباراة أو لاعب.. فكانت هذه العبارة هى رد محمود درويش الذى قال أيضًا إن كرة القدم قد تكون فرصة استثنائية ومؤقتة لأن يجتمع الفلسطينيون والوطن المفتت حول شىء ما بعيدًا عن الحرب والدم والغضب والحزن والألم والدموع والحلم الذى أوشك أن يصبح مستحيلاً.

موضوعات مقترحة

ومات محمود درويش فى 2008 أى قبل 15 عامًا من الأحداث الحالية فى غزة.. وقبل أن يشهد كيف تحولت كرة القدم من وسيلة مؤقتة يخرج بها الفلسطينيون من روتين الموت لتصبح سلاحًا فلسطينيًا حقيقيًا ضد إسرائيل.. فإذا كان العالم حولنا تغيرت رؤيته هذه المرة ولم يعد منحازًا لإسرائيل كما كان طوال الوقت.. فإن هذا التحول بدأ فى ملاعب كرة القدم فى معظم بلدان العالم وعلى رأسها أكثر دولتين انحيازًا لإسرائيل هما الولايات المتحدة وبريطانيا.. وفى ملاعب العالم منذ السابع من أكتوبر الماضى.. ارتفع أكبر عدد من أعلام فلسطين فى التاريخ.. وشهدت مدرجاتها أقوى هتاف لفلسطين وأعلى صرخة اعتراض على جرائم إسرائيل.. وأهم ما فى هذه الحكاية وربما أجملها أيضًا أن كرة القدم التى كانت منذ 1909 أول سلاح دعائى للحركة الصهيونية بعدما أسّسها تيودور هرتزل عام 1897.. وأحد أسلحة إسرائيل قبل وبعد تأسيسها عام 1948.. كانت هى نفسها السلاح الذى كشف عام 2023 جرائم إسرائيل وزيف ادعاءاتها.. وكان الغضب الكروى ضد إسرائيل فى ملاعب العالم هو الذى قاد تغيير رؤية كثيرين فى هذا العالم لمراجعة أحكامهم وأفكارهم القديمة بشأن فلسطين وأهلها وقضيتها.
ففى 1909.. احتاجت الحركة الصهيونية إلى وسيلة دعاية جديدة ومختلفة ومؤثرة وقادرة أيضًا على الإقناع.. فقرر الكاتب والشاعر فريتز لونر وطبيب الأسنان إيجناز هيرمان كورنر تأسيس نادٍ كروى جديد فى مدينة فيينا.. كان الاثنان يهوديين وأرادا استخدام كرة القدم كدعاية للصهيونية من خلال هذا النادى الذى حمل اسم هاكوا فيينا.. وهاكوا كلمة عبرية تعنى القوة.. وبدأت الحركة الصهيونية وأثرياء يهود أوروبا يقدمون الكثير من المال لهذا النادى الجديد ليقوم برحلات كثيرة خارج النمسا ويجمع اللاعبين اليهود ويلعب مبارياته أمام أندية محلية من موسكو إلى نيويورك أمام مئات المشجعين اليهود الذين يرفعون لافتات تأييد الصهيونية وتقديم اليهودى فى صورة جديدة فيها القوة والمثالية والانتصار بعد أن كانت صورة اليهودى لفترات طويلة جدًا قبل هذا النادى هى السمسار والمرابى الذى لا ضمير له أو أخلاق وإنسانية.. وهكذا كانت كرة القدم أول وسيلة دعائية للصهيونية.. وتوالت بعدها الوسائل والمحاولات مثل إقامة دورات المكابى للرياضيين اليهود بداية من 1932 واستغلالها لإدخال اليهود إلى فلسطين بالتحايل على قواعد الهجرة التى وضعها الانتداب البريطانى.. وتأسّس الاتحاد الفلسطينى 1928.. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين أسسوا اتحادهم الكروى 1921 كأول اتحاد فى قارة آسيا لكرة القدم.. فإن الصهاينة فى فلسطين لم يعجبهم هذا الأمر فبدأوا بالتحايل لتفريغ الاتحاد الفلسطينى والمنتخب الفلسطينى أيضًا من الفلسطينيين ليبقى اليهود وحدهم مع بقاء فلسطين كاسم فقط.. فالصهاينة أدركوا مبكرًا جدًا قوة وسحر وتأثير كرة القدم وأرادوا وأجادوا استخدامها واستغلالها واستمر هذا الأمر بعد تأسيس إسرائيل كدولة على الأرض الفلسطينية.
وأمام كل هذه المحاولات الكروية سواء كانت صهيونية فى البداية أو إسرائيلية.. لم يبقَ الفلسطينيون مستسلمين إنما رفضوا وقاوموا وحاولوا.. أسسوا اتحادهم الرياضى 1931 وأعادوا تأسيسه من جديد 1944 وطلبوا فى 1951 الانضمام للفيفا.. ورفض الفيفا هذا الطلب لأن الضفة الغربية ليست دولة حتى يكون لها اتحاد كروى.. وعادوا يطلبون مرة أخرى من الفيفا الاعتراف باتحادهم 1978.. ثم 1989.. وبعد توقيع اتفاق أوسلو ١٩٩٤.. وافق الفيفا على ضم فلسطين 1998.. فلسطين التى أسست أول اتحاد كروى فى قارة آسيا 1921.. وحسب سجلات الفيفا القديمة شاركت فى تصفيات المونديال 1934 و1938.. لم يمنحها الفيفا حق الاعتراف الكروى إلا 1998.. فإسرائيل لم تكن تريد أى حضور للكرة الفلسطينية.. لم تكن تريد منتخبًا كرويًا يحمل اسم فلسطين.. فقد أدركت إسرائيل أن كرة القدم يمكن أن تصبح سلاحًا فعالاً للمقاومة الفلسطينية وأن تجمع الفلسطينيين معًا وتؤكد وتحافظ على هويتهم.. وكانت حرب إسرائيل ضد الكرة الفلسطينية واحدة من حروب إسرائيل المنسية التى لا يلتفت إليها الكثيرون.. فلم يشهد العالم كله دولة تحارب كرة القدم مثلما حاربت إسرائيل الكرة الفلسطينية.. وظلّت إسرائيل طوال الوقت تمنع الفرق الفلسطينية من التنقل بين الضفة الغربية وغزة أو حتى داخل الضفة الغربية للمشاركة فى بطولتى فلسطين للدورى والكأس.. وفى معظم الأوقات كانت إسرائيل تمنع المنتخب الفلسطينى من السفر للخارج للمشاركة فى بطولات ومسابقات كروية دولية رسمية دون أن يغضب الفيفا ومسئولوه.. وبلغ الأمر أن يقتحم الجيش الإسرائيلى بأسلحته مقر اتحاد الكرة الفلسطينى وقام الجنود بتفتيش مقر الاتحاد وبعثرة أوراقه وتحطيم أثاثه.. وبالإضافة لكل ذلك هناك اللاعبون الفلسطينيون الذين منهم من استشهد بالرصاص الإسرائيلى أو يتم احتجازهم فى سجون إسرائيل دون اتهام ودفاع ومحاكمات.. وحين أعلنت إسرائيل الحرب على غزة 2012.. قامت طائراتها بقصف المدينة الرياضية وملعب فلسطين وملعب اليرموك وملعب رفح ومقرات أندية الشهداء وأهلى النصيرات ودير البلح وشباب جباليا وشباب رفح والهلال والشمس واتحاد الشجاعية.
وفى 2023.. تحقق ما كانت تخاف منه إسرائيل طوال الوقت وتحقق ما لم تكن تتوقعه أيضًا.. فالذى كانت تخاف منه كان أن تتحول الكرة الفلسطينية من مجرد لعبة إلى رمز للمقاومة والالتفاف حول علم وهتاف.. والذى لم تتوقعه هو ما جرى منذ بدأت أحداث غزة فى 7 أكتوبر الماضى.. وكانت أحداثًا وحربًا وجرائم وحشية سبقت بدء تصفيات مونديال 2026.. وكان من الطبيعى أن يتوقف النشاط الكروى فاعتذر المنتخب الفلسطينى عن المشاركة فى بطولة ماليزيا الدولية الودية وانتقل المنتخب إلى الأردن لمواصلة استعداده للمشاركة فى تصفيات المونديال التى ستشارك فيها فلسطين فى المجموعة الآسيوية التاسعة التى تضم فلسطين وأستراليا ولبنان وبنجلاديش.. وفى الأردن كانت أصعب مهمة ممكن أن يقوم بها مدرب لكرة القدم تلك التى قام بها التونسى مكرم دبوب المدير الفنى للمنتخب الفلسطينى.. وكان دبوب حارس مرمى سابقًا لنادى ترجى جرجس فى تونس وأصبح بعد اعتزاله مدربًا مساعدًا للتونسى أيضًا مختار التليلى الذى قاد المنتخب الفلسطينى منذ 2010.. وظل دبوب مدربًا مساعدًا لفلسطين مع أكثر من مدير فنى إلى أن تولى المسئولية كمدير فنى فى 2021.. وفى معسكر المنتخب الفلسطينى فى الأردن كان من الطبيعى ألا ينشغل اللاعبون بالمونديال وتصفياته وهم مشغولون طوال الوقت بمتابعة الحرب فى غزة.. وحتى فى الأوتوبيس للانتقال للتدريب أو العودة للفندق.. كان اللاعبون مع تليفوناتهم يتابعون الحرب ضد وطنهم وأهلهم وبيوتهم.. وكان منهم عشرة لاعبين يلعبون خارج فلسطين واستعان بهم دبوب فى ظل توقف الدورى المحلى وصعوبة تنقل اللاعبين منهم محمود وادى لاعب المقاولون العرب.. وغاب ثلاثة لاعبين دوليين لم يستطيعوا الخروج من غزة للحاق بالمنتخب فى الأردن هم خالد النبريص وأحمد الكايد وإبراهيم أبوعمير.
وكانت المباراة الأولى لفلسطين فى التصفيات أمام لبنان.. ولم تقم المباراة فى بيروت وتم نقلها إلى ملعب خالد بن محمد فى الشارقة تنفيذًا لعقوبة لجنة الانضباط بالفيفا بنقل مباراة لمنتخب لبنان بعد شغب جرى أثناء مباراة جمعت بين لبنان وسوريا.. وتعادلت فلسطين مع لبنان فى الشارقة بدون أهداف.. وكان من المفترض أن تلعب فلسطين المباراة الثانية فى استاد فيصل الحسينى فى رام الله لأول مرة منذ 2019.. لكن اضطر الفلسطينيون لملاقاة أستراليا فى استاد جابر الأحمد الدولى فى الكويت.. وكانت الجزائر قد عرضت استضافة مباريات المنتخب الفلسطينى لكن رفض الاتحاد الآسيوى لكرة القدم ورحبت الكويت بفلسطين ومنتخبها.. وأكد عبدالله الشاهين رئيس الاتحاد الكروى الكويتى ترحيب بلاده بالمنتخب الفلسطينى وبدأت حملة شعارها.. جهز كوفيتك وتعال شجع.. وبدأت المباراة بحضور قرابة 15 ألف متفرج حملوا كلهم أعلام فلسطين والهتاف لها واستقبلوا لاعبى منتخبها الذين دخلوا أرض الملعب وكل منهم يضع الكوفيه الفلسطينية على كتفيه.. ووقف لاعبو الفريقين دقيقة حداد على الفلسطينيين ضحايا الحرب فى غزة.. ولم يهتم أحد من المتفرجين بما يجرى فى الملعب قدر الاهتمام برفع أعلام فلسطين والهتاف لها.. ووقف المتفرجون وأضاءوا تليفوناتهم ثلاث مرات أثناء المباراة.. فى الدقيقة 7 موعد بدء انتفاضة الأقصى.. والدقيقة 13 تحية لـ 13 ألف شهيد فلسطينى.. والدقيقة 75 ذكرى النكبة واحتلال إسرائيل لفلسطين.. وفاز المنتخب الأسترالى بهدف وحيد أحرزه هارى سوتار فى الدقيقة 18.. ولم يكن هناك أى حزن كروى ولم تكن للخسارة أى تأثير وظلّت الجماهير حتى النهاية تهتف لفلسطين.
وكان لاعبو أستراليا قبل إقامة المباراة قد أعلنوا تبرعهم بمكافآتهم لمصلحة ضحايا الحرب فى غزة.. وقال النجم الأسترالى جاكسون إيرفين إنه وزملاءه يعرفون أن نتائج كرة القدم لم تعد تهم لاعبى فلسطين فى هذه الأوقات.. أما جراهام أرنولد المدير الفنى للمنتخب الأسترالى فقد أكد قبل المباراة أنه يتفهم مشاعر لاعبى فلسطين ويعرف أنهم غير مهتمين بالملعب وكل انتباههم وفكرهم عما يجرى فى غزة.. وكان ما جرى فى استاد جابر الأحمد فى الكويت هو نفس ما جرى منذ الشهر الماضى فى مختلف ملاعب العالم.. وأصبحت كرة القدم بجماهيرها وملاعبها وأنديتها ومنتخباتها شهادة حقيقية وجميلة على أول انتصار إعلامى حقيقى للفلسطينيين وأول خسارة لإسرائيل وإعلام الغرب المتعاطف معها طوال الوقت.. فهذه الملاعب ومدرجاتها كانت ساحة الانتصار الحقيقى للفلسطينيين وخرجت منها حقائق كثيرة للشارع الغربى فلم يعد الناس فى أى مدينة أوروبية وأمريكية يتعاطون ما يقوله إعلامهم باعتباره حقيقة فوق النقاش والمراجعة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة