Close ad

غيبوبة.. الأنا والأنت والهو

28-11-2023 | 15:27

عزيزى القارئ، هل تساءلت يومًا عن الأسلوب الأكثر جاذبية لك عندما يمسك أحدهم بقلمه ويبدأ فى سرد حكايته لك؟ هل تفضل أن يتحدث إليك مستخدمًا الضمير "أنا" ليروي ما عنده بالأصالة عن نفسه؟ أم يناسبك أكثر أن يروي حكايته مستعينًا بضمير الغائب "هو" ليرويها بالنيابة عن شخص آخر مجهول الهوية؟ أم أنك تفضل أن يحكي الحكاية وكأننا نراه يتحدث مباشرة إلى بطلها بصيغة "أنت"؟

بالطبع لابد وأن تختلف الإجابة وتتنوع من شخص لآخر، لكن في النهاية تفرض طبيعة الحكاية نفسها وتكشف عن هويتها، وحينئذ لابد أن يجري القلم بما يناسب الموقف، وإلا حكم عليه القارئ بالإعدام. 

من خلال خبرتي وتجربتي المتواضعة، وجدت أنه رغم العديد من الانتقادات، إلا أن سرد الحكاية بمصاحبة الضمير "أنا" لا يعتبر أحيانًا فقط أمرًا ضروريًا، بل قد يكون لازمًا لصدقها وحسن وقعها في نفس القارئ.

عندما يروي أحدهم مواقف شخصية أو مذكراته مثلًا، كيف ننتظر منه أن يرويها على لسان شخص آخر؟ لا منطق في ذلك لأن المذكرات الشخصية تفقد هويتها منذ اللحظة الأولى التي تنسب فيها إلى شخصية مجهولة، وسوف يدخل القارئ في متاهه لا مخرج منها ليطيح بعقله سرب من التساؤلات التي تفرضها الحكاية بهذا الشكل والتي لا إجابة لها، على رأسها كيف علم الراوي بتلك الأسرار الخاصة جدًا التي عايشها آخرون؟ وإذا قرر الكاتب السير في أمان والابتعاد عن دهاليز الأسرار والخفايا فقدت مذكراته عنصر التشويق الذي  ينتظره القارئ منها.

أيضًا في أدب الرحلات عندما يحكي الكاتب عن تجربته الخاصة في أماكن بعينها ومعايشته لشعوب لها خصائصها المميزة، هي حقائق لابد من سردها بمنتهى الأمانة، ولا ينفي هذا عن الحكاية صفة الطابع الأدبي؛ ولذلك أطلقوا على هذا الصنف من الكتابة "أدب الرحلات"، لكنها في النهاية أمور حدثت بالفعل، وسوف تحدث وقعها في نفس القارئ بشكل أفضل إذا رواها الكاتب عن نفسه مباشرة.

عندما شرعت في كتابة أدب الرحلات، وجدتني رغمًا عني أستخدم الضمير "أنا" على الرغم من علاقتي الوطيدة بضمير الغائب "هو"، لكنني وجدته لن يجدي نفعًا وأنا أحكي أحداثًا تتطلب دليلًا وبرهانًا للقارئ، يؤكد المعايشة الفعلية لها وصدق روايتى عنها، لذلك لابد من إخباره أن من ذهب وتحدث وسمع وسافر ورجع هو أنا، لا أقولها للمباهاة أو كنوع من الغرور، كما قد يتهم البعض هذا الضمير - أنا - المظلوم إلى حد كبير، فهذا هو مكانه وتلك هي لحظته للظهور وتوصيل الحكاية إلى القارئ. 

رغم ذلك أقر وأعترف - شخصيًا - أن الرواية باستخدام الضمير "أنا" تقلص حرية الكاتب إلى حد كبير وتقيده فلا يتمكن من إفراغ كل ما في جعبته من إبداع وخيال، فقد نسب الأمر إلى نفسه ومن ثم تجده غالبًا وقد توخى الحذر والحيطة في حكايته، تجده لا يستطيع أن يحرك أبطال قصته كيفما شاء، فهم لا ينتسبون إلى عالمه بل إلى عالم الحقيقة التي حصر نفسه بداخلها، ولم يتبق له من كونه أديبًا إلا أن يحسن سرد الحكاية، دون أي تدخل منه في أحداثها، الضمير "أنا" يخبرنا عن حقيقة من المفترض أن الكاتب عايشها بكل تفاصيلها، ولا مفر من أنه سوف يحاسب على كل هفوة يجري بها قلمه، ألم يخبرنا أنها حدثت بالفعل؟

أما ضمير الغائب، "هو"، فتجده طيعًا وهينًا لا يعصي لك أمرًا، مهذب إلى أقصى حد، قادر أن يمنحك جناحين تحلق بهما كيفما وأينما شئت، ولم لا وأنت تحكي عن شخص خفي غير مرئي لا يعلم حقيقته أحد، قد يكون من نسج خيالك، وربما كان حيًا يرزق بيننا، قل ما تشاء فأنت لم ولن تذكر أشخاصًا بعينها، الحكاية كلها ملك يمينك فلتكتب ما شئت ولتقم بتوصيل رسالتك إلى القارئ كما تحب.

إن شئت فاجعل بطل قصتك طبيبًا أو محاميًا أو مهندسًا أو معلمًا.. ليكن اسمه زياد أو لؤي أو أحمد أو سعيد، اجعل اسم بطلتك أميمة أو عنان أو ندى أو سامية، لا تقلق فلن يعترض أحد، هل تود أن يكمل القصة حتى نهايتها، أم تفضل أن تنتهي حياته في أول سطر، أو ربما في منتصف الأحداث، وقد تأتيك الفكرة فتقرر أن يحيا حتى يبلغ التسعين، افعل به ما تشاء ولن يلومك أحد.

إن شئت أن تأخذ من الحقيقة مجرد كلمة أو نظرة وتفصل لها حكاية فلتفعل، هل ترى عطاء وكرم هذا الضمير؟ ليس هذا فقط بل أزيدك من الشعر بيتًا، هل تدرك أن الضمير "هو" يتسم بالتضحية والفداء، ألم يتصدر المشهد بكامل إرادته مضحيًا بنفسه ليحميك ويمنحك الحرية الكافية لتروي حكايتك كيفما شئت؟ ألم يجعلك تختفي خلفه وتعبر عن وجهة نظرك كيفما تريد؟ وإذا لامك أحد أو اتهمك بالسب أو القذف!! دافعت عن نفسك بمنتهى الثقة قائلًا أنا لم أتحدث عن أحد، لقد تحدثت عن "هو"، تقولها بمنتهى الاطمئنان والثقة في أن هذا "الهو" لن يشتكي يومًا ولن يمل من ارتكانك إليه فقد وُجِدَ لتلك المهمة، هذا هو موقعه في اللغة، وربما لا نشعر بقدر سعادته لتوظيفك الجيد له في مهمته.

أسلوب مريح للكاتب والقارئ أيضًا، وكأنها طبيعتنا التي جبلنا عليها، نفضل دائمًا أن تتم عملية الإرسال والاستقبال بشكل غير مباشر، مجرد حكايات عن آخرين، فإن حدث ولامست بعض خيوط القصة حياتنا الخاصة وشابهتها، يكون لنا كل الحرية لنقبل منها ما نقبل ونلفظ منها ما نشاء، وربما تنكرنا لذلك التشابه!

أما الكتابة باستخدام الضمير "أنت" فتأتيك على شكل حوار من جانب واحد، يتحدث فيه الكاتب إلى شخص آخر بشكل مباشر وكأنه يجالسه، وهوأسلوب ذو وجهين، أولهما أن تأتي الرواية على شكل حديث الكاتب إلى شخصيات معروفة محاولًا إبراز مآثرها، أو ربما محاسبتها؛ مثلًا قد يسرد الراوي حكايته عن أحد القادة المعروفين فنجده يحادثه عن بطولاته وشجاعته، أو ربما تحدث إلى هتلر وموسوليني بلهجة العتاب واللوم على ما سبباه للعالم من ويلات ودمار.

في تلك الحالة يكون هذا الأسلوب - غالبًا - مقبولًا، أما الوجه الآخر والذي أعتبره من أقسى أساليب الكتابة، فنراه بوضوح عندما يرسم الكاتب كلماته قاصدًا أن يخاطب كل من يقرأها، عندئذ يشعر القارئ بأن الحديث موجه إليه مباشرة، وأنك تحاسبه وربما تؤنبه وتلقي عليه اللوم، وهو لا يستطيع أن يدافع أو يرد التهمة عن نفسه.

وقد تصيبه الكلمات في مقتل، وربما أصيب بالإحباط إن لامست كلماتك جرحًا يؤلمه، أو ذكرى تلازمه. 

لذلك قد يكون الحديث عن الآخر بصيغة "هو" أرحم كثيرًا للقارئ وأقرب لتوصيل الرسالة والاستفادة من عبرتها وحكمتها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: