Close ad
27-11-2023 | 15:41

يصعب تخمين التوقيت الذى ستضع فيه الحرب في غزة أوزارها، في ظل رغبة الانتقام الأعمى المسيطرة على حكومة غلاة اليمين المتطرف في إسرائيل، الذين يوظفونها لأغراض انتخابية تخدم أجندات تياراتهم السياسية أمام صناديق الاقتراع، عندما يرحل رئيس الوزراء "بنيامين نيتانياهو"، من المشهد السياسي غير مأسوف عليه، وربما حبسه لتحميله مسئولية الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي جرت يوم السابع من أكتوبر.

فالزلزال العنيف الذى ضرب أركان إسرائيل في هذا اليوم ستتواصل توابعه الداخلية العاصفة والكارثية لسنوات مقبلة، وسيحدث تغييرات سياسية واجتماعية وعسكرية تتضح أماراتها وتفاصيلها رويدا رويدا، والقاعدة نفسها تسري على القضية الفلسطينية التي عادت إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد غياب طال أمده، ولم يعد هناك أي مهرب من التكاتف لإيجاد حل دائم لها يراعي ويحفظ حقوق شعب خاضع لأسوأ أشكال الاحتلال، وبدون ذلك فمن المرجح أن تتكرر أحداث السابع من أكتوبر بصورة أكبر وأشمل.

وفور صمت المدافع سنكون مقابل تحديين صعبين يجب الاستعداد المبكر لهما، وتجهيز سيناريوهات التعامل معهما، التحدي الأول يخص المجتمع الدولي عموما، والعرب على وجه الخصوص، وهو كيف سيتم تعظيم الاستفادة من الزخم والتأييد الشعبي في أوروبا والولايات المتحدة للفلسطينيين لنصرة قضيتهم العادلة في المحافل والأوساط الدولية، وإحداث توازن معقول ومنطقي في مواقف القوى الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا التي تؤيد "تل أبيب" على طول الخط بدون تفكير وبشكل سافر ومستفز، حتى للمواطنين الأمريكيين الذين أدانوا وفضحوا المذابح والمجازر الإسرائيلية بحق المدنيين، وانتقدوا بحدة إدارة " جوبايدن"، لانحيازها المبالغ فيه لجانب إسرائيل.

وهنا فإن البلدان العربية ومؤسساتها الإقليمية، وعلى رأسها الجامعة العربية الموقرة، مدعوة لتنسيق الجهود الجماعية بالمنظمات الدولية، ومع الحكومات في أنحاء العالم، لكي يُسمع ويقدر فيها صوت الحق الفلسطيني، وألا تنفرد إسرائيل بها لتفرض سردياتها وتتلاعب بها، للظهور بثوب الحمل الوديع المسالم الذي يحاول "الثعلب الفلسطيني" الماكر الفتك به، متجاهلة تاريخها الحقير والمشين في قهر وإذلال الفلسطينيين ومحاصرتهم، حتى يختنقوا وتعاملهم وكأنهم ليسوا بشرًا يستحقون الحياة الكريمة، واسترداد أرضهم المغتصبة من قبل المستوطنين الذين تسلحهم حكومة "نتانياهو" وتغض الطرف عن جرائمهم اليومية، مثل اعتداءاتهم المتكررة على المنازل والمزارع والمساجد والكنائس وإطلاقهم النار عشوائيا على أصحاب الأرض المدافعين عنها.

ولابد أن يكون جزء من التحرك العربي الكثيف مرتبطًا بتوثيق ما جرى في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر من استهداف للمستشفيات والتدمير الكامل للبنية التحتية، وقصف تجمعات المدنيين بمدارس تديرها هيئات تابعة للأمم المتحدة، ونحسب أنه يوجد ما يكفي ويزيد بسجل هذه الجرائم المروعة التي تخالف كل الأعراف والقواعد الإنسانية والأخلاقية المتبعة في أوقات الحروب، وتتجاوز بسنوات ضوئية الحجة الممجوجة التي تسوقها إسرائيل بحقها المشروع في الدفاع عن النفس، وهي أفعال مخزية تستوجب العقاب بحده الأقصى لمرتكبيها، وهم معروفون بالاسم، ومناصبهم معلومة للكافة.

وعلى الأسرة الدولية الانتباه لحقيقة بديهية للغاية، هي أن إفلات "تل أبيب" المستمر من المحاسبة يضرب في مقتل مفاهيم ومبادئ القوانين الدولية، وحقوق الإنسان التي يتم رفعها في وجوه الآخرين، باستثناء إسرائيل المدللة طبعا، فلن تكون في موضع يجيز لها دعوة بقية دول العالم للالتزام والانصياع لها، فشريعة الغاب ستصبح سائدة وسيفرض القوي إرادته على المحيطين، وليس بجديد القول إن حرب غزة أزالت ورقة التوت التي يتستر بها الغرب وأظهرت الازدواجية والصمت على "هولوكوست فلسطين"، وعلى المتشدقين بحقوق الإنسان ورعاتها أن يتواروا خجلا وحياء من موقفهم تجاهها.

التحدي الثاني الصعب أن العالم مهدد بموجة تطرف وإرهاب عاتية، فمشاهد الأطفال الأبرياء وهم قتلى ومعهم المدنيون ستكون زادًا وحافزًا لجماعات إرهابية متفرقة ومن كل حدب وصوب للقيام بعمليات تستهدف المصالح الأمريكية والإسرائيلية والغربية تحت لافتة الثأر لدمائهم المراقة، ودفاعًا عن المظلومين والمقهورين في فلسطين، وحينها ستفتح أبواب جهنم وسوف يسقط ضحايا لاذنب ولا جريرة لهم، وسوف يُستدرج الجميع لدائرة الفعل ورد الفعل التي سيدفع ثمنها الاقتصاد العالمي المنهك، وافتقاد الأمن والأمان في التجول بأماكن بعينها، وحينها ستقع المسئولية عنها على عاتق الولايات المتحدة دون غيرها.

ومرشح أن تدب الروح مجددًا في تنظيمات إرهابية "كالقاعدة" و"داعش" وغيرهما، بسعيها لاستقطاب أعضاء جدد عبر شن هجمات إرهابية، لإثبات وجودها، والحصول على مصادر تمويل من قبل الباحثين عن الكيد لخصومهم والعبث بأمنهم القومى، والنتيجة المتوقعة والجلية ستكون بلا ريب زيادة مساحات عدم الاستقرار وبؤر التوتر عالميًا، ونشوب نزاعات قد تسفر عن حرب إقليمية لتصفية حسابات وجولات مؤجلة بين أمريكا وأعدائها والواقفين في المعسكر المضاد لها، وأولهم إيران إرضاء لإسرائيل التي لا تقدر علي العيش بدون حروب. 
 
والإرهاصات والمقدمات بادية أمام أنظارنا وتأثيراتها على حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمدادات، والبقية آتية في الطريق، ما لم يتم تدارك الأمر قبل فوات الأوان، فالندم حينها لن يكون مجديًا وبلا عائد، فهذا وقت العقل والحكمة والاتزان، فهل من مجيب؟!

كلمات البحث
الأكثر قراءة