Close ad
27-11-2023 | 10:43

حكمت محكمة الحياة بالسجن مدى الحياة خلف قضبان الأحلام، قد يصبح هذا مصير البعض مستسلما دون أدنى مقاومة، لأن جدلية العلاقة بين الواقع والحلم  تغدو شرسة حين تتسع الهوة بين ما نحن عليه وما نتمنى أن نصبح عليه، بين ما نعيشه وما نود أن نعيش فيه، وهو ما أكده الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما حين قال "عِندما تُقارن مآسي الحياة الواقعية بالحياة الخيالية، لن ترغبُ في عيش الواقع مرة أُخرى، سوف تتمنى لو أنك تستطيع أن تستغرق فى الاحلام للأبد".

ولكن هناك فرق كبير بين الطموح الإيجابي والحلم الأقرب للخيال، وهناك فرق واضح بين الخيال والحلم، فالخيال يعتمد كثيرا على تكوين صور ذهنية وربما حياة كاملة وأنت على قيد اليقظة، ولكن الحلم هو مجموعة الأفكار والأحاسيس الساكنة في العقل الباطن والتى تراود الإنسان أثناء النوم، وقد غرق الباحثون وعلماء النفس في الغوص بشأن ماهية الحلم، وكل ما توصلوا إليه خاص بشأن كهرباء الدماغ ونشاطها في أثناء النوم واليقظة ومدى الإدراك والوعي، إنما العلم بكل ما ارتقى إليه لم يصل إلى تفسيرات دقيقة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الإسراء "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" صدق الله العظيم.

ربما يبدو الحلم سبيلا للخروج من نافذة الحياة للتحليق في السماوات، وكأننا نحلم بما يضن به علينا واقعنا، أحيانا يتحول إلى مؤشرات لفك طلاسم الحياة، وكأنه رسائل سماوية تبشرنا أو تنبهنا حتى أن البعض يصدق كثيرا في أحلامه، وقد يأتيك الحلم وكأنه رسالة لشخص آخر، ولا نعلم حقيقة واضحة حتى الآن، وربما يتحول الحلم إلى كابوس حين تتراكم الضغوط بداخلنا ولا نجد متنفسا، وحين تتكاثر عوامل الإحباط والسقطات المتتالية والطعنات التي نتلقاها من بعض الظروف المحيطة.

وتختلف مواضع الكوابيس التي يراها الأشخاص في أثناء نومهم من شخص لآخر، وهناك موضوعات متكررة وشائعة للكوابيس يراها كثير من الأشخاص، مثل عدم القدرة على الجري والهرب من خطر محدق أو السقوط من قمة عالية، وفي حالة تعرض الشخص لأحداث صادمة أو مفجعة مثل الاعتداء أو الحوادث المختلفة فإنه من المحتمل حدوث كوابيس متكررة لهذه الأحداث.

والخيال يصير إيجابيا حين يمتطي ركب الإبداع، ويتجسد هذا في الأعمال الروائية والفنية والدرامية والإبداعية بوجه عام، ويتحول إلى سلبيا حين يشط عن العقل والمنطق إلى أن يصل إلى الهلاوس وهنا يتحول إلى مصدر للأذى.

وعلى سبيل المناظرة فقد ربط الفيلسوف أفلاطون الخيال بالفن والموسيقى قائلا: الموسيقى قانون أخلاقي، إنها تعطي الحياة للروح، والأجنحة إلى العقل، وتنقلك إلى الخيال، وتلهم السحر والإبهار بالحياة وكل شيء من حولنا.. 

بينما اختلفت رؤية الروائي إبراهيم عبدالمجيد وقال: لم تعد هناك قدرة عند الناس على الخيال، الناس صارت مبرمجة على ما تفعله في حياتها، تماما كالكمبيوتر، تغذيه بمعلومات ليعطيك نتائج، لكن المشكلة أن ما تعلمه الناس فاسد كله.

ولكن كان للعبقري عباس العقاد رأي آخر: فكرتك أنت فكرة واحدة، وشعورك أنت شعور واحد، وخيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك، ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعورًا آخر، أو لاقيت بخيالك خيال غيرك، فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين كلا، وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق والامتداد.

فهل يمكن لنا أن نمضي حيواتنا أسرى لأحلامنا؟ وأن نعيش سجناء خلف تلك القضبان؟ نعم قد يحدث أن نهرب من الواقع لنسقط في أحضان الخيال ونهرول صوب الأحلام.
 
هناك فرق كبير بين المضي خلف طموحنا والمكوث في الأحلام، دون التحرك خطوة واحدة على أرض الواقع المعاش؛ بصدد تحقيق الهدف، فالأهداف هي البوصلة التي تصحح المسار حتى لا نضل الطريق ونحصل على حكم البراءة من سجن الأحلام.
 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: