Close ad

بين هجرة الطيور وتهجير البشر

21-11-2023 | 16:30
الأهرام المسائي نقلاً عن

أوشك فصل الخريف على الانقضاء، وحزم الخبراء امتعتهم بعد ثلاثة شهور قضوها في مراقبة مسارات الطيور المهاجرة في منطقة خليج السويس بمصر على ساحل البحر الأحمر المعروفة بارتفاع سرعات الرياح بها، أكثر من 10 متر/ثانية، مما جعلها قبلة لاستثمارات طاقة الرياح.

أدى ارتفاع جاذبية الاستثمار في الطاقة المتجددة، إلى شغل أكثر من 1200 كيلومتر مربع بقدرات تتجاوز 4000 ميجاوات، تتوزع بين 1500 ميجاوات قيد التشغيل، 1000 ميجاوات يجري إنشاؤها، والباقي في مرحلة التطوير.

في المقابل، تُعد المنطقة أحد أعلى ممرات عبور الطيور المهاجرة كثافةً -أكثر من مليون ونصف المليون طائر- خلال موسمي الخريف والربيع، ومنها إلى أرجاء القارة الإفريقية.

عبور أسراب متنوعة الكثافة والارتفاع يعرضها لمخاطر الاصطدام بريش توربينات الرياح. لتحقيق التوازن البيئي وإنتاج كهرباء خالية من الكربون بأسعار تنافسية، ثُبتَ جهازي رادار، أحدهما في مدخل الموقع لأغراض الرصد المبكر لارتفاعات الطيور واتجاهاتها، بينما تقع مسئولية تحديد أنواعها على المتخصصين المزودين بنظارات معظمة والموزعين داخل الموقع.

يتفاوت إيقاف التوربينات الواقعة في مسار العبور، ثم إعادة تشغيلها بين عدة دقائق إلى بضع ساعات.

يضعنا تأمل حياة الطيور، مثل غيرها من الكائنات، عاجزين أمام طلاقة قدرة الخالق العظيم؛ تهاجر الطيور من موائلها في أوروبا وأمريكا الشمالية مع قدوم الخريف لتجنب صقيع الشتاء القارس، إلى دفء القارة الإفريقية عبر مسارات ثلاث؛ مضيق جبل طارق غربًا، إيطاليا-تونس شمالاً، وأخيرًا عبر الصدع الأعظم على البحر الأحمر.

لكل نوع سلوكه الخاص؛ تتجه أسراب اللقلق الأبيض والإوز العراقي والصقور والبجع وغيرها، من شمال الكرة الأرضية صوب تركيا ومنها عبر مضيق البسفور إلى قارة آسيا بحذاء ساحل البحر المتوسط؛ سوريا ولبنان والأردن وصولاً إلى ساحل البحر الأحمر بالسعودية عبورًا إلى خليج السويس بمصر.

تتخلل الرحلة فترات استراحة في مناطق ثابتة تتناول خلالها أكبر قدر من البروتينات للحصول على طاقة تمكنها من متابعة رحلتها، وصولاً إلى موائل الهجرة، حيث تستقر وتتكاثر، وما أن يحل الربيع حتى تشرع أجنحتها عائدة مع صغارها إلى موائلها الأصلية/أوطانها. بصمة جينية تتوارثها الطيور جيلاً بعد جيل.

تسجل الفراخ الصغيرة خلال الرحلة مسارات الهجرة وتتعلم أبجديات الانتماء وحب وطن رسمه الخيال قبل الواقع، وطن سيشهد فرحة أول عش، وأول بيضة، وأول فرخ، والوطن دائمًا عزيز.

الالتزام باتفاقيات حماية التنوع البيولوجي والحفاظ على الحياة النباتية والحيوانية يدعونا لإعادة التفكير في موجات التهجير القسري ليس فقط للفلسطينيين، بل والسكان الأصليين في دول أوروبا وأمريكا الشمالية، الذين تم التخلص منهم عبر خطط منظمة.

تعقيبًا على مقال الأسبوع الفائت، لفتت صديقة فاضلة انتباهي إلى الفيلم الأمريكي "قتلة زهرة القمر"، المقتبس من قصة حقيقية تعرضت فيها قبيلة أوسايج Osage  بولاية أوكلاهوما إلى عمليات قتل منظمة على يد الأمريكيين البيض بعد اكتشاف النفط بها.

فارق كبير بين الهجرة والتهجير، الأولى طوعية وتملك معها حق العودة لوطنك في أي وقت تشاء، والثانية قسرية ومحظور فيها العودة. الهجرة استزراع والتهجير اقتلاع. الهجرة رغبة في تجربة جديدة والتهجير سير نحو المجهول.

تهاجر الطيور ولا تهجر وطنها، وتقطع أسماك السالمون آلاف الكيلومترات في رحلة مقدسة من النهر إلى المحيط وبعد عشرة أيام تفارق الحياة تدفن خلالها بيضها تحت الرمال والحصى، وما أن يفقس البيض ويشتد عود الزريعة حتى تعاود مسار الهجرة إلى موطن الآباء والأجداد، تاركة خلفها ألف علامة استفهام دون إجابة، ويقين واحد عنوانه (حق العودة). حفظ الله الوطن.​

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة