Close ad
21-11-2023 | 13:28

في البداية دعونا نتفق على أمرين، الأول أن هناك صحوة شعبية محمودة في الولايات المتحدة والغرب تجلت في المظاهرات الحاشدة لنصرة الشعب الفلسطيني المسكين الذي يُباد في قطاع غزة، وفضح مجازر ومذابح قوات الاحتلال الإسرائيلية وأكاذيبها التي تروجها بعض المؤسسات الإعلامية العالمية الكبرى، للتنديد بمواقف حكوماتهم الخانعة والداعمة لإسرائيل بفجاجة تلامس حد الوقاحة ومساعدتها في الإفلات من العقاب على جرائم حرب،واستهانتها وتجرؤها على القانون الدولى، وأن احدًا لن يستطيع معاقبتها على قتلها المدنيين واستهدافها المنشآت الطبية والتعليمية، وهذه الصحوة المفاجئة أيقظت القضية الفلسطينية من سباتها العميق وأعادتها ثانية لواجهة الأحداث الدولية.

الثانى أن البعض استغل الزخم الشعبى الأمريكي والأوروبي ووظفه لإحياء سيرة أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة الإرهابي، وتقديمه على أنه بطل مغوار من خلال رسالته التي وجهها لأمريكا قبل ٢١ عامًا، وتضمنت أنها مكروهة للغاية، بسبب دعمها وتأييدها غير المحدود لفلذة كبدها إسرائيل التي زرعتها في الشرق الأوسط، والمفارقة أن مواطنين أمريكيين كانوا هم أصحاب المبادرة بالتنقيب عنها وإبداء التعاطف مع كاتبها، وتلقفها عرب ومسلمون مؤيدون ومتعاطفون ومحبون لبن لادن، وحصد فيديو حمل مضمونها على منصة "تيك توك" ١٤ مليون مشاهدة قبل حذفه، كما حذفت صحيفة "الجارديان" البريطانية العريقة الرسالة من موقعها الإلكتروني، بعد عقدين من نشرها عليه.

لن أخوض في دوافع اندفاع  الأمريكيين باتجاه الاحتفاء المبالغ به ببن لادن الذى خطط وهندس هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد بلادهم، فذاك شأن يخصهم، لكن ما شغلنى وأزعجني في الموضوع نظرتنا نحن كعرب وكمسلمين للرجل الذي لا يستحق سوى لقب الإرهابى الذى تلطخت يده بدماء المسلمين والعرب قبل أن يخرج علينا مرتديًا ثوب المقاوم لأمريكا ونفوذها، بعدما تمرد عليها، وارجعوا لكتب التاريخ لتعرفوا دوره ومَن التفوا حوله في اغتيال الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود، الذي كان شخصية بارزة وفاعلة في مقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، والشيخ عبدالله عزام، الذي يوصف بأنه "الأب الروحي للجهاد الأفغاني"، ولأسامة بن لادن شخصيًا.

ولا تنسوا أيضا حقيقة أن مَن احتضنه ودربه وأمده بالسلاح ورعاه كان المخابرات المركزية الأمريكية ال "سي.آي.إيه"، فهي من صنع الوحش الذي التهم أصابعها لاحقًا، ورفع راية العصيان ومغادرته بيت الطاعة، بعدما شب عن الطوق، وقرر السير في طريق مغاير يصنع فيه بطولاته بإعداد كوادر وأجيال من الإرهابيين الصغار الذين غرر بهم بكلامه المعسول، وغسل أدمغتهم باسطوانات المجد والعزة المشروخة.  

هؤلاء كانوا الخنجر المغروس في ظهر أوطانهم، لأنه أوهمهم بأن محاربة جيش وشرطة وطنهم هو الخطوة الأولى لتحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي وزواله، واستعادة دولة الخلافة المزعومة، وكسر شوكة أمريكا وغرورها وتسلطها، وانتشر عناصرها كالخلايا السرطانية الخبيثة والمدمرة المستهدفة جهاز مناعة الدولة الوطنية، فكم من بريء قتلوه، أو أصابوه، أو دمروا وخربوا مصدر رزقه باسم الدين، والأوهام المحشوة في عقولهم دون أن يتدبروا لثوان معدودات لبيان مدى استقامتها مع صحيح الدين الحنيف ومناهجه.

فضلا عن إساءاتهم البالغة للإسلام ولتعاليمه الوسطية، ولسنة رسولنا الكريم، وتشويه صورته الناصعة بالنظر إليه كدين يحض على القتل والعنف وترهيب الآخرين، وتفسيرهم آيات وأحاديث بعينها بما يتوافق ويخدم أفكارهم الهدامة المتطرفة، بينما مَن نصبوهم عليهم كأمراء، وأولهم أسامة بن لادن،  كانوا يرفلون في نعيم الدولارات المتدفقة من أجهزة مخابرات تستعملهم كأداة لمحاربة دول معينة تستهدفها بمؤامراتها ومكائدها، فهم في حقيقتهم ليسوا سوى حفنة من القتلة المأجورين الذين يقدمون خدماتهم القذرة والشيطانية لأعلى سعر مطروح.

وعار ما بعده عار أن يقدم أمثالهم للناس على أنهم أبطال نشجعهم ونؤازرهم ونشد على أيديهم، ونعيد قراءة رسائلهم وخطبهم بافتخار وزهو، لنستشف منها صواب ما فعلوه، والعثور على تبرير مقبول لأفعالهم المشينة ممتدة الأثر والمفعول، وقولا واحدا لا رجعة فيه: أسامة بن لادن كان إرهابيًا أثيمًا وليس بطلا، أو مصلحًا اجتماعيًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة