Close ad

حكايات من الواقع.. موعد مع الموت!

19-11-2023 | 13:51
حكايات من الواقع موعد مع الموتأرشيفية
خالد حسن النقيب

لم تكن تدري أن خطواتها هذه المرة سوف تتجاوز حدود الأمل البعيد والواقع المستحيل،‏ وأن طوق نجاة سوف يمتد إليها ينتشلها من لجة الموت،‏ يحاوطها من كل جانب،‏ يوشك أن يغرس أنيابه في جسدها النحيل يلتهمها نمر شرس بلا تردد‏..!‏

موضوعات مقترحة

قالت إن كل من ذهبت إليهم أغلقوا باب الأمل في وجهها، وكان حتما عليها أن تنتظر موعدها مع الموت، لكنها لم تستسلم لليأس، طرقت دروب الرحمة، وراحت تناشد من يساعدها، تجري جراحة خطيرة في القلب لا طاقة لها بنفقاتها، وكانت سطور حكايتها تنبض ألما ووجعا في قلوب كل من قرأها وتعاطف مع معاناتها، وسرعان ما تفتحت أوراق الأمل من جديد تتواري منها سحب اليأس الداكنة، فقد كانت تدابير الله عظيمة.

ووجدت الفتاة التي لم تكن قد تجاوزت التاسعة عشرة من عمرها من يرأف بحالها ويمد لها يده ينقذها من موت يترصدها، وتحدد يوم الجراحة التي تكفلت بها الدولة، وقبلها بأيام وجدتها قبالتي، قالت إن لديها كلاما كثيرا تريد أن تقوله، كانت خائفة وفرحة في الوقت نفسه، ترتعد أوصالها رعبا، وتود لو أنها قفزت في الهواء تتراقص سعادة ومرحا، شقاوات الأطفال تنطق ببراءتها في عينيها، وقسمات وجهها تموج بأحاسيس فيها التردد وفيها الإقدام ألوانا داكنة تتخللها ابتسامة مترقبة في وجل.

طلبت منها أن تجلس وتخرج ما بداخلها، وبلسان ثقيل قالت: قبل أن أحضر إليك كان إحساس الموت يسكنني، أشم رائحته تزكم أنفي، وأنا الآن على أعتاب النجاة، لا أخشي الموت، فقد كان يرافقني بلا أمل في الرحيل، واليوم سوف أواجهه، لعلي أقهره فادعوا لي.

وأجريت الجراحة، وانفتحت طاقات الأمل والحياة من جديد، زال عنها خطر الموت، باتت قادرة على الحياة بلا خوف أو ترقب، أيام قليلة مضت وجاءت في ثوب صحتها الجديد تود أن تشكر كل من وقف إلى جوارها، ابتسامتها هذه المرة ترسم على وجهها بهجة وسعادة، أتت ومعها أمها، قالت لي سوف أزف إليك خبرا سعيدا ما إن وهبني الله الحياة فلسوف أسعي جاهدة لأبني لنفسي فيها بيتا ويكون لي فيها أولاد، سأتزوج بعد بضعة أشهر، وانتابني شيء من قلق، وبادرتها وجلا ألا تستشيرين الطبيب أولا؟

فما كان منها إلا أن ضحكت ضحكات يقين وأمان، فقد سألت الطبيب، وقال لها: إنها باتت طبيعية وقادرة على الزواج والإنجاب، ولكن عليها أن تتبع بعض التعليمات، وتعيش على علاجات مستمرة للوقاية، وأنه عند حملها عليها أن تتابع مع طبيب القلب مثلما تتابع مع طبيب النساء. ومضت الأيام وتزوجت الفتاة بشاب كانت تحبه ويحبها، وتحققت لها السعادة في بيت هو كل حلمها وسرعان ما تحركت الحياة في أحشائها جنينا يكتمل به الحلم، وكما نصحها الطبيب تابعت الحمل والقلب معا على مدار التسعة أشهر حتي خرج طفلها للدنيا سالما معافي.

وكما كانت تأتيني في كل مرة تخطو فيها خطوة جديدة نحو الحياة، أتتني هذه المرة وهي تحتضن رضيعها، وبعد أن رأيتها فتاة منكسرة يحلق طائر الموت فوق رأسها، رأيتها أما تتجسد بين يديها حياة طفل صغير.. ومضت ومضت معها أيام وشهور تجاوزت العامين، تاهت خلالها من ذاكرتي حتي فوجئت يوما بأمها تطلبني عبر الهاتف، كان صوتها حزينا مكتوما يقطر منه الألم، تطلب مقابلتي، حددت لها موعدا، وظني أن مشكلة عارضة قابلتها أو ابنتها، ولكن ما إن رأيتها حتي وجدتها بغير ابنتها، يصاحبها الموت حزنا ولوعة، تكلمت بقلب أثقله الحزن وأم ثكلي، لقد ماتت ابنتي.

أطبق الصمت على المكان، وألجمت الدهشة لساني أسألها كيف، لقد كانت فرحة بصحتها ووليدها، تتمسك بالحياة قوية لا يعوق طريقها شيء ما، رأيت الموت ضعيفا في عينيها قدر ما رأيته هذه المرة، كيف انتصر عليها وقهر إرادة الحياة والأمل المتجدد فيها؟

استغفرت الله، وبسملت وحوقلت، وضربت كفا بكف حتي بادرتني أمها.. قلة الضمير والإهمال والفساد قتلوا بنتي. كانت ابنتي سعيدة بزوجها والحياة ووليدها، وقررت أن تخوض تجربة الحمل ثانية، نصحتها بأن تكتفي بابنها ولكنها رفضت.

كنت أخشي عليها ولكنها لم تكن تخشي من شيء غير أنها تابعت مثلما تابعت من قبل مع طبيب نساء ولظروفها المادية الصعبة لم تتابع مع طبيب قلب، وأخبرت طبيب النساء بحالتها فقال لها: إن فحوصاتها طبيعية وليست في حاجة لطبيب القلب وكتب لها علاجات للحمل، ولم يكترث إن كانت هذه العلاجات تناسب قلبها أو لا، ومع الوقت انهارت صحة ابنتي، وضعفت ووهنت قواها حتي سقطت مغشيا عليها، فقمنا بنقلها إلى المستشفي، وهناك عرفنا أن العلاجات التي تتناولها لم تكن تناسبها، وأن الوقت تأخر على إنقاذها، ولكن المحاولات تجري على قدم وساق لإنقاذ حياتها، فابنتي كانت تعاني هبوطا حادا في الدورة الدموية.

وخرجت ابنتي من المستشفي بعد أن تحسنت حالتها بعض الشيء ولعدم قدرتنا على تحمل نفقات العلاج، وفي إحدي الليالي استيقظت في جوف الليل على صرخاتها كانت تعاني نزيفا حادا، وأيقظت شقيقها يستدعي الإسعاف، وأثناء ذلك وجدتها تمسك بيدي وتشد عليها.. هموت يا اما خدي بالك من ابني.

لم تكد تصل الإسعاف إلى المستشفي حتي انتهي كل شيء، وعادت ابنتي إلى بيتها جثة هامدة، أصرخ فيها أن تفيق، تتمسك بالحياة كما كانت تتمسك بها، ولكنها استسلمت لنهايتها أخيرا.. صمتت الأم الثكلي، وبعدها قالت لي: إنها تعلم أنه لا دليل على إهمال أحد أو تسببه في موت ابنتها، ولكنها تستصرخ ضمير الطبيب الذي عالجها ألا يتسبب بغفلته وإهماله في موت امرأة أخري ويحرم طفلها الصغير منها.

_ رهينة القدر _

بالتأكيد نحن رهن أقدارنا، نسعي في الدنيا مكابدة وشقاء وأملا حتي نهاية الأجل فيها، منا من يقضي نحبه، ومنا من ينتظر، وما بين المولد والممات، رحلة طالت بنا أو قصرت، يهبنا الله عز وجل من نعم الحياة وأسبابها الكثير، وتتجلي حكمته في اختبارات أحيانا تكون قاسية لقياس مدي الإيمان والصبر على المكاره في حياتنا أملا في رضاه وعفوه وطمعا في جنته ولعلك في الجنة إن شاء الله يا ابنتي,

فأنت من الصابرين المحتسبين، تحملت آلام المرض ومشاقه بصبر وإيمان ويقين في الله أن يعطيك طوق النجاة، وكنا وغيرنا سببا في إجراء الجراحة لك، ما فتح طريق الحياة أمامك متسعا بلا خوف أو يأس، ولكنها الأقدار كتبت علينا خطا، مشيناها حتي نهاية الطريق، ولعلك دفعت ثمنا باهظا من شبابك وحياتك فاتورة الإهمال وفساد ضمير طبيب، لم يع أنه بإهماله أزهق روحا، ولم يكترث ولا تحزني فأمانة الطب في عنقه سوف تتحول إلى طوق من نار يحترق به دوما ندما وحسرة لو استيقظ ضميره في يوم من الأيام، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: (إن الله عز وجل كتب الإحسان على كل شيء).

أما أنت أيتها الأم الصابرة المحتسبة صبرك لله على هذا البلاء، تذكري قول الله عز وجل في محكم آياته من سورة آل عمران وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين وقوله في موضع آخر كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.

ولعل في توسلك إلى الله بذكره وتلاوة آياته ما يثلج صدرك ويهدئ من روعك ويقويك على تنفيذ وصية ابنتك الراحلة في تربية وليدها وهي رسالة أعانك الله عليها وكما ذكر لنا الله في محكم آياته من سورة النساء كل ما يعترض حياتنا مما نحتسبه خيرا أو شرا هو من عند الله تبعا لقوله عز وجل (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) صدق الله العظيم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة