Close ad

هنا اليابان.. مخاطر النووي الكوري والصهيوني

5-11-2023 | 15:44

طوكيو: في "الجعبة" الكثير مما يجب كتابته عن مشاهداتي في اليابان، وتحديدًا، الهموم السياسية والأمنية، وكذلك الاقتصادية، الناتجة عن "فاتورة" كوفيد-19، والإغلاق، وأثر حرب أوكرانيا، وانتهاء بتهديد وجودي من نووي كوريا الشمالية.

لأن صدى التهديد النووي الكوري ربما يتوارى-نسبيا- أمام المشهد الإرهابي، الأفظع، الذي تجري فصوله على أرض فلسطين، فماذا يمنع من تسويق مغالطات أمام الرأي العام المغلوب على أمره، تحديدًا هنا بشمال شرق أسيا، بغية "شيطنة" المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وربطها عمدًا بـ شرور بيونج يانج؟!

في اليابان كما في كوريا الجنوبية، لا صوت يعلو على "إعصار" التهديد النووي والصاروخي، الوجودي، الذي يلوح به الزعيم كيم جونج أون، لإرهاب طوكيو وسول، ومن ورائهما الحليف الأمريكي، الأعظم. وبالتالي، فإن درجة عالية من العداء والكراهية والغليان، تسيطر على مشاعر شعوب المنطقة ضد بيونج يانج.

في مناطق أخرى من المعمورة، وبإيعاز من الدعاية الغربية، المغرضة، يجري وصم فصائل المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني العنصري، بارتكاب أفعال دنيئة كـ التي اقترفتها تنظيمات إرهابية، مثل داعش والقاعدة، وهذا ظلم بين، يهدر حق المقاومة في التخلص من الاحتلال ويتعارض مع القوانين الدولية. 

ربما أفلحت الدعاية الغربية، المغرضة، في إثارة مشاعر العداء والكراهية تجاه المقاومة الفلسطينية المشروعة، لدى شعوب بعينها، اكتوت بنيران التنظيمات الإرهابية، كالقاعدة وداعش، غير أن استخدام "الفزاعة" الكورية الشمالية، قد تصبح هي الأنسب، في السيطرة على اتجاهات الرأي العام هنا بشمال شرق آسيا. حوارات ودية وجانبية جمعتني بأصدقاء وزملاء، على هامش زيارتي للعاصمة اليابانية، طوكيو، وقد تطرقت-بطبيعة الحال-إلى الزلزال الذي أحدثه "طوفان الأقصى"، وتوابعه المذهلة، بمنطقة الشرق الأوسط تحديدا، وفي العالم أجمع.

مما تردد في الحوارات- والمقصود من ورائها قطعا الربط بين ممارسات بيونج يانج غير المشروعة وتسويقه المريب مع فصائل للمقاومة الفلسطينية- مزاعم بثها راديو آسيا الحرة تدعي أن حركة المقاومة بحوزتها أسلحة كورية شمالية. نسب الراديو لعضو سابق بوكالة المخابرات الأمريكية، بروس بيكتول، قوله إن حماس استخدمت الصواريخ الكورية من قبل، وقد تستخدمها في الحرب الحالية.

أقول، من الطبيعي أن تجد هذه المزاعم أرضية خصبة للقبول، من حيث الشكل، لدى الرأي العام في كل من اليابان وكوريا الجنوبية- رغم نفي بيونج يانج لها من الأساس- لاستنادها إلى إعلان كوريا الشمالية الصريح إدانة الأعمال الإجرامية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وتأكيد الزعيم كيم دعم المقاومة، وتحميل واشنطن مسئولية المجازر البشعة والمتواصلة المرتكبة في قطاع غزة المحتل.

لتصويب المفاهيم الخاطئة تجاه عدالة الموقف العربي والحق المشروع في مقاومة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، اجتهدت في الربط بين ما ترتكبه إسرائيل من ممارسات مخالفة للقرارات الدولية، وما تفعله بيونج يانج بجيرانها -بشكل مماثل على أرض الواقع- بما يهدد الأمن والاستقرار الدوليين.

أوضحت للأصدقاء والزملاء في طوكيو أنه بالضبط كما لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967، وتنصاع لتعهدات أوسلو -التالية- بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، فإن كوريا الشمالية-كذلك-من المفترض أن تنفذ 6 قرارات، أصدرها مجلس الأمن، بخصوص برامجها الصاروخية والنووية.

بالتالي، لا مجال للتأثر بالدعاية الغربية المغرضة، الهادفة لتوصيف المقاومة العربية- الفلسطينية المشروعة للاحتلال الإسرائيلي، بما تمثله برامج كوريا الشمالية الصاروخية والنووية، غير المشروعة، من مخاطر وجودية لجيرانها.

في مقال سابق، وجهت الدعوة إلى الدبلوماسية العربية، بما فيها الناعمة، لبذل المزيد من الجهد في مواجهة هجمة دعائية صهيونية شرسة، تملأ فضاء شمال شرق آسيا، وتحديدا في اليابان وكوريا الجنوبية، واليوم أكرر الدعوة من جديد.

بصفتي مواطنا مصريا- عربيا يده في النار، وعايش على مدار سبعة عقود، العديد من الحروب المفروضة، ودفعت بلاده ثمنا غاليا-وما تزال تدفع- من أجل قضية العرب المركزية في فلسطين، أكدت للأصدقاء والزملاء -اليابانيين والكوريين- أن ما يعانيه الشرق الأوسط، ليس مرجعه حق المقاومة العربية المشروع في تحرير الأراضي المغتصبة، ولكن المشكلة تكمن في أطماع توسعية صهيونية بلا حدود، وعدوان إسرائيلي، وحشي، وعنصري، كأسوأ احتلال استيطاني يشهده التاريخ.

في التوقيت المناسب، جاءت الشهادة التاريخية التي نطق بها أمين عام الأمم المتحدة جوتيريش، مضمونها: "إن ما تقوم به المقاومة لم يحدث من فراغ، حيث يرزح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الخانق والعقاب الجماعي منذ 56 عاما". 
 

خلاصة الخلاصة- التي اجتهدت في محاولة توصيلها للأصدقاء والزملاء اليابانيين والكوريين الذين التقيتهم خلال زيارتي لطوكيو- هي أن ما تعانيه منطقة شمال شرق آسيا، بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية، من "تهديدات وجودية" جمة ناتجة عن تطوير البرنامج الصاروخي والنووي الكوري الشمالي، وتحدى بيونج يانج الفاضح لقرارات مجلس الأمن الدولي. أقول إن هذه "التهديدات الوجودية" تماثل –بالضبط- ما تعانيه الشعوب العربية، ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، ليس –فقط- بسبب ما يمتلكه الكيان الصهيوني العنصري من ترسانة نووية ولكن -أيضا- بسبب أطماعه التوسعية، واحتلاله لأراض عربية، وممارساته الوحشية بفلسطين.

تلك هي الرسالة التي أردت إيصالها للزملاء والأصدقاء في اليابان وكوريا الجنوبية، ومفادها -باختصار- أن بيونج يانج وتل أبيب، هما وجهان لعملة واحدة، وتمثلان مصدر "الخطر الوجودي" الحقيقي، لمنطقتي شمال شرق آسيا والشرق الأوسط، معًا، بل وتهددان الأمن والاستقرار العالميين، بتحديهما للقرارات الدولية.

لعل رسالتي تلك تكون قد وصلت إلى أسماع –وفهم- الزملاء والأصدقاء في كل من اليابان وكوريا الجنوبية، وإن كان أحد الخبراء العرب المرموقين، والمقيمين في بلاد الشمس المشرقة، قد فاجأني بقوله: "أنت تؤذن في مالطا"، مشيرًا لاختلاف الاهتمامات والمصالح، والتحالفات، وبمدى التأثر بـ "الميديا" الغربية المناهضة.

(يتبع من طوكيو)

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة