Close ad

حكايات من الواقع.. طفولة أم وآلام الصمت!

5-11-2023 | 15:24
حكايات من الواقع طفولة أم وآلام الصمتأرشيفية
خالد حسن النقيب

لم تكن غادرت طفولتها بعد وهم يتحدثون عن أمر زواجها‏.. كانت تلحظ كلامهم عنها خفية وتنطلق كالفراشة لا تلوي علي شيء يملأ صدرها الندي بنسمة الصباح يشرق في حياتها بيوم جديد تولد فيه أنوثتها مبكرة ويمضي بها النهار جليا حتي ترفل في ذلك الفستان الأبيض تتراقص به في جنبات حجرتها طائرا جميلا من طيور الزينة في القفص‏.....!‏

موضوعات مقترحة

اقترب منها عطشا ترتوي رجولته من فيض أنوثتها الندية.. لم تدرك أنها تدخل معه عالما جديدا تاركة طفولتها علي أعتابه وسرعان ما تبدلت ملامح البراءة فيها إلي قسمات جامدة تحفر مسارها في وجهها فتنطفئ معها نضارته وفرحة أول مولود في يديها.. عطية الخالق لها مع أول عام لزواجها وهي بعد في منتصف العام الثامن عشر من عمرها.....

لم يكن صغيرها طبيعيا فهو صامت دائما.. نادرا ما يتحرك في فراشه.. صراخه يخرج مكتوما كالفحيح تسمعه بالكاد فتعرف أنه جائع فتهم ترضعه ببكورة أمومة ما زالت تتعرف عليها.. وعام وراءه عام يمضي والزمن يتوقف معها عند عمر صغيرها في عامه الأول لقد مضت ثلاث سنوات التحقت خلالها بالجامعة وقسمت وقتها بين صغيرها والدراسة

وكانت متوافقة إلي حد كبير.. عرفت طريقها جيدا وبكل جدية حاولت أن تتعلم كيف تكون لابنها أما وطبيبا في ذات الوقت.. بفطرتها عرفت من البداية أن طفلها غير طبيعي وسلوكه شاذ عن باقي الصغار.. هرولت به وأبوه إلي المستشفيات وعيادات الأطباء تتفحص المخ منه في مراكز الأشعة وتجري له كل الفحوصات والتحاليل الطبية أملا ورجاء ولكنها الحقيقة المرة.. فقد كان الصغير عاجزا شاءت أقداره أن يولد بضمور في المخ يتوقف معه نموه العقلي عند زمن الطفولة.. ينمو الجسد حتي تغزوه شقاوات المراحل الأولي من العمر ولكنه لا يلهو كالصغار يركن إلي الحائط جانبا.. نظراته زائغة يخشي كل من حوله.. تتحرك شفاه بتمتمات غير واضحة حتي يلحظها تأتي من بعيد.. لم تكن تلك الطفلة التي ألبسوها ثوب العرس في مهدها ولكنها الأم في العشرين من عمرها وكأن سنوات بعيدة مضت بها إلي الهرم قبل الأوان.........!

لقد نجحت الأم أن تتجاوز صدمتها في صغير عاجز وعرفت طريقها إليه.. جعلت من دراستها وسيلة تتواصل بها معه.. درست علم التخاطب عند الأطفال المعاقين وحققت فيه نجاحات مبهرة حتي أنها ناقشت رسالة ماجستير في الأسلوب الأمثل لمخاطبة الأطفال من ذوي الاحتياجات الذهنية.......

ما زال ينظر إلي أمه وهي قادمة من بعيد تتراء له الدنيا مقبلة معها.. تلاشي الخوف من قلبه واندفع إليها تاركا مكانه إلي جوار الحائط.. التقطته قبل أن يسقط علي الأرض واستكان في حضنها.. أكل معها وشاركته لهوه ولعبه وشق عليها أنه تتركه وحيدا فقررت أن تحول بيتها من أجله إلي حضانة خاصة لذوي الاحتياجات الفكرية حتي تصاحبه علي الدوام.....!

دمعة حائرة تسربت من عينها وهي تتحدث إلي وتحكي قصة المشوار الطويل ومأساتها في الحياة.. قالت الأم: أسعد لحظات حياتي أقضيها إلي جوار ابني.. أشعر أني دنيته التي يعيشها فهو يتعايش مع الدنيا من خلالي.. كان لا يستطيع حتي أن يطعم نفسه ولكني تدربت جيدا حتي استطعت تأهيله ونجحت في أن أجعله يمسك الملعقة وكيف يضع الطعام في فمه وكيف يتحرك مترنحا دون أن يسقط.. هو الآن في السادسة عشرة من عمره ولكن لم يتجاوزه عمره العقلي إرهاصات الطفولة الأولي بعد ولكني أعيش علي الأمل أن أنمو بعقله المعتل شيئا فشيئا وتزداد نسبة الوعي والإدراك لديه تدريجيا خاصة وأن اختبارات الذكاء الدورية التي أجريها له ترصد استجابة إيجابية لديه.....!

أما حياتي أنا فقد سيتها في حياة ابني ورسالتي معه ومع أطفال غيره شاءت الأقدار أن تعجز قدراتهم العقلية في الدنيا واختصرت بيتي في حجرة واحدة أنام فيها مع زوجي وابني وباقي البيت امتلأ بالأطفال مثلي ابني أمارس معهم أمومتي الخاصة وأقدم لهم يد الرحمة بالسعادة ترتسم علي وجوههم البريئة.....

كان زوجي يحبني بجنون ويقدر حجم التضحية التي أعيشها غير مأساتي مع إبني الوحيد كانت الأقدار قاسية علي إلي حد بعيد فقد حرمت من الإنجاب بعد عدة محاولات للحمل فشلت جميعها وتلاشي حلم الأمومة مرة أخري من حياتي وكان زوجي مقدرا لعذاباتي حتي أنه طلب أن يخرج من حياتي ويتيح لي الفرصة أحيا من جديد وأبدأ مرحلة جديدة مع رجل آخر لعل الدنيا تعوضني عما لاقيته من ألم بإنجاب أطفال أصحاء خاصة وأن الأطباء أرجعوا ما تعرضت له من إنجاب طفل معاق وفشل مرات الحمل اللاحقة إلي كون زوجي قريب لي من الدرجة الأولي..

وبالطبع لم أوافق علي كلامه فأنا أحب حياتي معه وسعيدة بمعايشتي اليومية لابني وللأطفال المعاقين أجد منهم ما يعوضني عن أشياء كثيرة لم يعد لي حق فيها.. أجهد نفسي طول النهار وفي آخره ألوذ بوسادتي لا وقت عندي إلا للنوم منهكة كادة حتي الصباح فأعاود الكرة مرة أخري.. أفعل ذلك حتي لا أعطي الفرصة لنفسي أن تفكر في ولتمضي الحياة علي وتيرتها قدما إلي نهايتها......!

س. م

ما أنت فيه سيدتي آية من آيات الصبر والجلد وترويض النفس.. ورسالة ثقيلة ليس من السهل تحملها ولكنك كنت شامخة كالجبل راسيا لا تهزه رياح الأقدار وآلامها.. أما بفطرة طفولية قلبها قلب طفل وروحها روح ملائكية وكان اختبار ربك عظيما اجتزته بجدارة مصداقا للآية الكريمة من سورة البقرة ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون* أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون وأحسبك إن شاء الله من الصابرين

ويكفيك صبرا ترويضك للنفس منك وصبرك عليها فلا تجزعي ولا تخافي من غدر الأيام وويلاتها واجعلي ملاذك إلي الله تدعيه بدعاء نبينا محمد صلي الله عليه وسلم اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب وبصبرك الرائع والإيمان يملأ قلبك ستبحرين في أمواج الدنيا المتلاطمة وحتما ستصل مركب الدنيا بك إلي الشاطئ الآخر حيث تحققين كل نجاحاتك ويتحقق الحلم بنسبة شفاء معقولة تجعل ابنك يتعايش بصورة طبيعية مع الدنيا ولعل أصحاب القلوب الرحيمة يشاركونك الحلم ويدعمون مشروعك الخيري في رعاية الأطفال زوي الاحتياج الفكري.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة