Close ad
4-11-2023 | 10:46

السابع من نوفمبر.. شتاء مبكر يغزو خريف العاصمة الجزائر بغيوم داكنة..

اللهجة أردت ألا تكون عائقاً لدى حديثى معهم.. هؤلاء النخبة من أدباء وشعراء وروائيي الجزائر.. تعمدت التحدث بالفصحى التى أراني بها تلقائياً أكثر من العامية.. بادرني حميد عبدالقادر بضحكة رنانة: كلنا نفهم العامية المصرية ونحبها.. لكنني كنت مستمتعاً بالفصحى، كأني انتهزت الفرصة لأكون على سجيتي.. أحب لهذه الواشجة بيننا كعرب تظل موصولة بلغتنا العربية الفصيحة السهلة كما كان يردد عميدنا طه حسين: اللغة العربية يسر لا عسر..

هذا ما لمسته فى إصرار الشاعر عز الدين ميهوب وزير الثقافة الجزائري، والسيد حميدو مسعودي محافظ صالون الجزائر الدولي للكتاب (السابقين) بحرصهما على التفوه بالعربية السلسة المفهومة لدى الكافة، رغم إجادتهما للفرنسية كأغلب الجزائريين.. هناك حب عميق للغة العربية فى الجزائر، ولابد أنه فى مناهجهم، أو قل فى دمائهم!

"إمبراطورية ميم".. الفيلم الشهير لفاتن حمامة هو أول وأشد ما أدهشني في المعرض.. عندما وجدت لافتة جذابة بطرافتها لصاحبة دار النشر الجزائرية المولد، مصرية الهوى، السيدة آسيا علي موسى.. ألفيتها تقلد نفس قصة الشعر التي أدارت بها الفنانة فاتن حمامة فيلمها القديم.. كان منتشراً حينها! 

هنا أدركت كم أن الفن المصري آنذاك كان عميق التأثير بعيد المرامى شديد الفاعلية لدرجة أنه يجعل المثقفين المصريين فى الخارج لهم ذات الثقل والعمق، لمجرد أن قوانا الناعمة المتمثلة فى مشاهير الفن والأدب والرياضة والصحافة لها اليد الطولى في سائر المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج..
 
ذات مساء.. من الإثنى عشرة ليلة التي قضيناها ضيوفاً على صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته الحادية والعشرين.. التففنا تسعة حول مائدة عشاء مستطيلة عامرة بالمقبلات والأسماك وزجاجات الماء البارد الفاخرة.. كنا نتكلم ونضحك أكثر مما نأكل.. العبد لله وزملائى أحمد عبدالقوى "صدى البلد"، وياسر الغبيري "البوابة نيوز" ومعنا الروائي حميد عبدالقادر والناقد الدكتور محمد عبدالكريم والإعلامي جمال شعلال، وثلاثة آخرون..

في صباح اليوم السابق استمتعنا بالمرور السريع للموسيقار الراحل أحمد الحجار والشاعر المصري ناصر دويدار وهما يداعبان عواطف السامعين ويعيدان للذاكرة المحشوة أطياف الغناء الأصيل.. 

تلك السويعات البسيطة أنقذت الموقف ومنحت قبلة الحياة للبرنامج الثقافي المصري الهزيل بالمقارنة لكونها ضيف شرف الصالون! 

أعادت لنا النغمات ثقتنا فى قدرتنا على عبور أزمة الخريف الاقتصادية، وأعاد لنا الشعر الرصين ثقتنا وتفاؤلنا في غد أفضل.. فربما كانت أغنية أقوى أثراً من ألف خبر يقين!
 
لا أدري متى ولا كيف ولا لماذا تسرب إلى قلبي القلق وأنا أدفعه بتناول المقبلات والمضغ، وظللت ألوك الكلمات وأمضغ الحديث محاولاً إخفاء قلقي تحت جلدي، وأنا محاط بهذه الكوكبة من كبار الأدباء.. وامتد بي الحوار مع الإعلامي والروائي الجزائري حميد عبدالقادر الذي يجيد الكتابة باللغتين العربية والفرنسية وصدرت له عدة مؤلفات في الرواية والتاريخ والأدب، ومع الكاتب الصحفي أنيس بن هدوقة ابن الروائى الجزائري الأشهر "عبدالحميد بن هدوقة".

أسهبت فى الحديث عن روايات الطاهر وطّار و"مولود فرعون" المعروفة بين أوساط المثقفين والقراء في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين.. وكان حديثي ينساب بلغة عربية رصينة عملت على ضبط مخارج حروفها بوضوح وجلاء تام.. ثم قيل لي: إن الحاضرين يحبون اللهجة المصرية ويفهمونها.. فتجاهلت النصيحة وزاد إصراري على التمتع بالفصحى طوال الأمسية التي امتدت طويلا..
 
حميد عبدالقادر تبسط فقص علينا طرفة فريدة حدثت معه لدى لقاء الطاهر وطّار مع كاتب فرنسي آخر، فقال: انتهزت الفرصة وبدأت حماستي في الحديث تتحول إلى جرأة جعلتني أصف الطاهر بأنه كاتب يساري، ولم أقصد شراً.. فما كان من وطار إلا أن مال علي، وهمس في أذني: أنه ما كان ينبغي وسمه بهذه الصفة شديدة الخطورة آنذاك، فقد كانت الطعنات والهجمات الإرهابية الغادرة خلال سنوات العشرية السوداء، لم تزل تفتك بالجزائريين بفعل إرهاب الجماعات المتأسلمة.

لابد أن أي مثقف عربي في الجزائر سوف تراوده تساؤلات الهوية.. تلك البلد التى تعرضت لواحدة من أبشع المذابح وأشد أنواع الاستعمار فتكاً ودموية على مدار 130 عاماً لدرجة أن يحتفظ الفرنسيون بجماجم ضحاياهم من أبطال الجزائر في متاحفهم المصبوغة بدماء الشهداء.. حتى أنك تتذكر بألم قصيدة الشاعر الفلسطينى محمود درويش هاتفاً ضد المستعمر الإسرائيلي، بل ضد كل مستعمر أجنبي لأرض عربية:
سجل..
أنا عربي.. أنا اسم بلا لقب
صبور في بلاد كل ما فيها.. يعيش بفورة الغضب
جذورى..
قبل ميلاد السنين رست.. وقبل تفتح الحقب

الإعلامي جمال شعلال.. تسمى على اسم الزعيم جمال عبدالناصر.. كان نوعاً من الناس الذين يحفرون فى الذاكرة لهم مكاناً أبدياً.. له لسان طلق بليغ العبارة قوي الحجة وعقل راجح يزن الأمور ويحسن وضعها في نصابها..

هناك سمة تميز لغة أبناء الطبقة الجزائرية المثقفة ذات الرؤية النافذة والبصيرة المدركة لطبيعة وخطورة ما تتعرض له بلداننا العربية من حروب بالوكالة.. ومن فتن ومؤامرات تتربص بالكافة لتضرب هؤلاء بأولئك وتتسبب فى انقسامات مجتمعية تتضخم لتلد أزمات مستمرة وتمزقات تصيب نسيج الأمة، ثم هناك سوء إدارة لمواردنا الطبيعية وثرواتنا البشرية.. والجزائر بلد غني بثرواته وبموارده الطبيعية والبشرية، لكنه ككل البلدان العربية غارق حتى أذنيه فيما سماها الأستاذ هيكل: "العقد النفسية للشرق الأوسط"!

الرائع في الأمر أنك تجد في صحبة هذه النخبة الرائعة صباحاً بين أروقة الصالون وفى صحبة الناشرين ما تفتقده فى معارض الكتب الأخرى.. فبين زحام الجماهير الغفيرة المنتشرة في كل ربوع وزوايا المعرض، تفتقد تلك الفئة الهادئة المحبة للعزلة من كبار الأدباء والشعراء والمفكرين، لا لتستمع لهم في ندوات جامدة ومحاضرات سابقة الإعداد، وإنما لتجلس معهم جلسة سمر ودية تتجاذبكم أطراف الحديث الشيق المثمر في شتى هموم وقضايا الثقافة والسياسة والمجتمع..

استوقفتني دار النشر الخاصة بالسيدة آسيا المتأثرة بفاتن حمامة.. وعلى بعد خطوات قليلة منها لفت انتباهي شيخ متأنق يدعى "رشيد خطاب"، يجلس خلف طاولة وضع فوقها كتابين اثنين أحدهما بالعربية والآخر بالفرنسية هما "أصدقاء الخاوة والرفاق"، ولشد ما أدهشني العنوان، توقفت عنده طويلا، أعرف معنى كلمة "الرفاق"، أما "الخاوة" هذه فلم تمر عليَّ مطلقاً خلال نحو أربعين سنة قضيتها بين أوراق الكتب القديمة والحديثة على السواء، الأمر الذي حفزني لطرح سؤالي عليه وقلت له: سيدي أريد أن أسألك عن معنى هذه المفردة، ومن أين اشتققتها، وما إذا كانت صحيحة لغوياً أم لا؟ ثم دار بيننا حوار ممتع وجذاب، حوار بين جيلين، استغرق نحو الساعة أو أكثر.. "رشيد خطاب" الذي ذهب إلى باريس في السبعينيات، وتعلم في جامعاتها، والعبد لله ابن ثمانينيات جامعة القاهرة، وقد أخذنا نعيد ونزيد في بحور اللغة العربية وشواطئها، وهل هي لغة قابلة للتطور أم لا؟

عدت إلى القاهرة، بعد اثني عشر يوماً قضيتها ضيفاً على صالون الجزائر الدولي للكتاب.. 

تركت بعضاً مني هناك لدى الجزائر هذا البلد الحبيب.. وهذا الشعب العربي الأمازيغي الأبي مرفوع الهامة عالي الهمة، ثابت الأقدام في أزمنة صعبة تتسارع فيها خطى الفوضى والارتباك المعولم.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة