Close ad
31-10-2023 | 12:01

جوزيف موريك البريطاني الأصل، توفي قبل ما يزيد على 130 عامًا، قبل أن يحقق أمنيته في أن يجد امرأة تقبل أن تحبه، حتى لو كانت كفيفة على حد تعبيره. وُلد جوزيف عام 1862، وتوفي قبل أن يكمل السابعة والعشرين من عمره. 

العنوان الرئيسي لقصة حياة موريك يتلخص في ثلاث كلمات هي العذاب والمعاناة والألم، تلك القصة التي بدأت مبكرًا عندما كان عمره سنتين؛ حيث بدأت تظهر التشوهات والنتوءات في أماكن متفرقة من جسده بداية من وجهه ورقبته مرورًا بالفم والشفاه واللسان، نتيجة لإصابته بما يُعرف بـمتلازمة "بروتيوس"، والتي تسبب اضطرابات جينية، تحدث تضخمًا كبيرًا في أماكن متفرقة من الجسد.

لدرجة أنهم كانوا يطلقون عليه "الرجل الفيل"، وكان الجميع ينفرون منه، فعاش بالطبع طفولة قاسية. فلم يكن يراه أحد إلا كان يسخر منه ويقذفه بالحجارة، ولم يكن يجد غير حضن أمه ليختبأ داخله هربًا من قسوة الحياة والبشر، هربًا من حياة لم يخترها لنفسه. وقبل أن يكمل الحادية عشرة من عمره ترحل أمه ليفقد ملجأه الوحيد في هذه الحياة.

منذ هذه اللحظة أصبح جوزيف في عهدة أبيه الذي قرر أن يطرده من البيت ليواجه الحياة بمفرده، ويضطر إلى أن يبحث عن عمل دون فائدة، لينتهي به المسار إلى ملجأ للمشردين. 

لكنه لم يتحمل ما تعرض له من تعذيب وإذلال داخل الملجأ فيقرر أن يهرب، إلى أن يعثر عليه أحد تجار البشر ممن يستغلون أصحاب التشوهات الخلقية، في الترفيه من خلال ما كان يُسمى في ذلك الوقت بـ"سيرك المسوخ".

نشأ هذا النوع من "عروض السيرك" في ثلاثينيات القرن السابع عشر، بالأخوين الملتصقين لازاروسوجوانيس، وبدأ في الانتشار في أوروبا وأمريكا، حتى أواخر القرن العشرين. 
وكانت الوسيلة الترفيهية الأكثر شهرة ورواجًا في ذلك الوقت، وجمعت كل الأشخاص أصحاب التشوهات الخلقية، ليشاركوا دون إرادتهم في تلك العروض. 

ومنهم ستراتون أو عقلة الأصبع، الذي كان مصابًا بالتقزم، وماكسيمو الذي كان مصابًا بصغر الرأس، وهيرام وبارني ديفيس المعاقان ذهنيًا، والأختان التوأمان الملتصقتان ديزي وفايوليت هيلتون اللتين بدأن المشاركة في العروض قبل أن تكملن الرابعة من عمرهن، وويليام جوزيف الذي كانوا يلقبونه بالرجل ذي وجه الكلب، وماري جين ويلسون، المرأة ذات الأرجل الثلاث، التي كانت تعاني من "متلازمة تيرنر"، والقائمة تطول.

وكان من بين أشهر عروض المسوخ في العالم عرض "P. T. Barnum's American Museum"  في مدينة نيويورك. 

كان بارنوم رجل أعمال أمريكي، معروفًا بعروضه الغريبة، مثلما كان معروفاً بعدم إنسانيته أيضاً. كان يعرض مجموعة متنوعة من الأشخاص ذوي الصفات الجسدية غير الطبيعية في عروضه، بما في ذلك المسوخ.

لم يكن ما تعرض له موريك أقل أو أكثر قسوة مما تعرض له الآخرون، حيث كان يتم نقله في قفص حديدي، ليجوب الشوارع للترويج لعروض السيرك، ولم تكن تخلو تلك العروض من إلقاء الشتائم والقذف بالحجارة التي كانوا يجمعونها ويُعطونها مجاناً لمرتادي السيرك لكسب التفاعل خلال العرض، وانتهت حياة ميرك صغيراً قبل أن يُكمل السابعة والعشرين من عمره، ليرحل قبل أن يُحقق حلمه بأن يجد امرأة تُحبه، رحل قبل أن يعرف معنى أن يكون إنسانًا، وقبل أن يلتقي بإنسان.

هذا التاريخ من قسوة البشر لم ولن يمحى، وقصة موريك لا تختلف كثيرًا عما يحدث اليوم في غزة، لكن المسوخ الحقيقية هم من يشاهدون معاناة شعب يُباد دون أن يحركوا ساكنًا. 

فالتصريحات الأوروبية والأمريكية تشبه ضحكات جمهور سيرك المسوخ، الذي اعتادوا على مشاهدته منذ قرون، وكأن التاريخ يُعيد نفسه مع اختلاف الأحداث والأشخاص، وكأن تلك القسوة متوارثة في جيناتهم الوراثية. 
ومع تكشف الوجوه أمام أزمة ومعاناة إنسانية، لشعب نضعه في نفس القفص الحديدي الذي كان يجلس داخله "جوزيف موريك"، ونجوب به العالم دون أن يتحرك ساكنًا، صمت أشبه بالضحكات، وتصريحات أشبه بالحجارة المجانية لمرتادي سيرك العالم الكبير الذي نعيش فيه.
فمن كانوا يقتلون "جوزيف موريك" مع كل ضحكة، وكل حجر يقذفونه به، هم أنفسهم الذين كانوا يقدمون له الطعام، فقط لأن حياته هي مصدر ضحكاتهم وترفيههم وثرائهم أيضاً.

رغم مرور قرون على هذا التاريخ الأسود لقسوة وتوحش البشر، إلا أن التاريخ سيظل شاهدًا على معاناة وعذابات كل إنسان تجاهلنا صرخاته وآلامه، كل إنسان تخلينا بصمتنا عن أن ننتشله من بحر الظلم الذي غرق بين أمواجه أمام أعيننا، في حين اكتفينا بأن نقف في صفوف المتفرجين. 
ما الذي يجعلنا مختلفين عن هؤلاء الذين كانوا يقطعون التذاكر، للترفيه عن أنفسهم بعذابات أبطال "سيرك المسوخ"، أو مختلفين حتى عمن كانوا يتاجرون بعذاباتهم وأمراضهم وتشوهاتهم الخلقية؟ التاريخ سيظل شاهدًا على كل ضحكة وكل لحظة صمت، سيظل شاهدًا على هذا القفص الحديدي الذي ماتت داخله إنسانيتنا.

مات "جوزيف موريك" قبل أن يحقق حلمه ويجد من يحبه، أو ربما قبل أن يعيش، مثلما يموت كل يوم طفل فلسطيني قبل أن يحقق حلمه في أن يجد بشر حقيقيين يشعرون بمعاناته وآلامه وعذاباته، مات موريك مثلما تموت كل أم فلسطينية محتضنة أطفالها، لأن حضن الموت هو الأمان الحقيقي لهم، بعد أن أصبح الحق الطبيعي في الحياة حلماً.

في زمنٍ يتفاخر فيه البشر بتقدمهم وحضارتهم القائمة على حقوق الإنسان، في حين يظل الظلم قائمًا والإنسانية غائبة. 

والعدل يفتقد الضوء الذي يُنير أرواحنا لرؤية الإنسان الحقيقي الذي يختبئ داخل ذواتنا بإرادتنا، والذي بدونه نصبح عميان، لا نرى غير أنفسنا، وسط عالم من الظلم، تحولنا فيه إلى مجرد ظلال بشرية تجوب الأرض بلا هدف أو غاية، ظلال للظلم وليس للإنسانية. فالشر أحياناً ينبع من جهل الإنسان بطبيعته.

كلمة أخيرة:

‏في عام 1963 كانت حديقة الحيوان (برونكس) في نيويورك تضع مرآة عند مخرج الحديقة كُتب عليها:
أنت تنظر الآن إلى أخطر حيوان في العالم!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة