Close ad

غزة الأبية.. ومأزق مجرمي الحرب

30-10-2023 | 15:44

أكثر من عشرة آلاف شهيد ومفقود نصفهم من الأطفال، بعد شهر تقريبًا من الحصار والقصف المتواصل وانقطاع أي نوع من المساعدات الإنسانية ومتطلبات الحياة البسيطة لأبناء غزة، الذين يواجهون حتى هذه اللحظات أعنف حرب منذ السابع من أكتوبر الماضي، وربما منذ سبعين عامًا وقت الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، والهجوم غير المسبوق الذي شنته ولا تزال قوات الاحتلال على أبناء غزة العُزّل، جوًا وبرًا وبحرًا باستخدام المقاتلات الحربية المختلفة، والمدفعية الثقيلة والبوارج البحرية، لتنقطع الكهرباء تمامًا عن القطاع مع انقطاع كل وسيلة للاتصال خدمات الإنترنت والهواتف، حيث دمر جيش الاحتلال كل المسارات الدولية التي تصل غزة بالعالم الخارجي، وأكدت المنظمات الدولية الإنسانية؛ ومنها الهلال الأحمر أنها فقدت الاتصال بطواقمها، كما أن سيارات الإسعاف لم تعد تتحرك لنفاد الوقود وخرجت أغلب المستشفيات عن الخدمة، كما تبين استخدام جيش الاحتلال أسلحة محرمة دوليًا، والقنابل الفوسفورية، وبعد يومٍ دامٍ انعزلت فيه غزة عن العالم، قالت المقاومة إنهم وجدوا في الصباح جثثًا مشوهة وبلا معالم.

كان ذلك بعد أيامٍ من اصطفاف الدبابات حول غزة، للاستعداد إلى اجتياح بري شامل للقطاع لتحقق إسرائيل ما أسمته تحرير الرهائن لدى حماس، والقضاء على الحركة التي تراها السبب الأبرز والمبرر للعدوان، وبعدد مناورات ودخول على استحياء لمناطق قريبة، واختراق بضع دبابات للجدار العازل لأمتار معدودة، نفذ جيش الاحتلال الهجوم برًا وبحرًا وجوًا مدعومًا بقوات أمريكية، وفيما بعد أرسل الجيش الألماني نحو 1000 جندي في الشرق الأوسط من أجل إجلاء الرهائن المنتظر، لكن أمام هذا المشهد البارز كانت هناك عدة مشاهد لابد أن تؤخذ في الحسبان، منها الموقف الدولي من القضية والصراع، حيث لم يعد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت يوم الجمعة الماضي، سوى أن تصوت على مشروع القرار العربي بشأن حرب إسرائيل على غزة، والذي دعا إلى هدنة إنسانية فورية دائمة ومستدامة تُفضي إلى وقف الأعمال العدائية، وتوفير السلع والخدمات الأساسية للمدنيين في شتى أنحاء القطاع فورًا ودون عوائق، كأول رد رسمي للأمم المتحدة على تصاعد العنف جراء عدوان الكيان جيش الكيان المحتل على غزة والضفة الغربية منذ هجمات السابع من أكتوبر، بعد أن فشل مجلس الأمن الدولي 4 مرات في اتخاذ أي إجراء فيما سبق، ورغم هذا التصويت على القرار غير الملزم المقدم من الأردن، نيابة عن المجموعة العربية، والذي أيّده 120 عضوًا، من أصل 193 عضوًا في الجمعية العامة، كان جيش الاحتلال في الساعة ذاتها وحتى هذه اللحظة ينفذ هجماته البربرية الوحشة على سكان القطاع، غير ملتفت لأي قرارات دولية، بل إنه وصف الأطراف التي انحازت لعدالة القضية على الجانب الإنساني بأنها منحازة للإرهاب، ويبدو أن الحسابات المعقدة والمخيفة لخطوة الاجتياح البري، الذي لم يكتمل حتى الآن، دفعت بالحرب نحو هاوية جديدة، وبدا أن القوات الإسرائيلية تتكبد كل ساعة خسائر جسيمة تجعل بقاءها داخل غزة أمرًا محفوفًا بكل المخاطر، جراء النزيف الذى تدفعه المستوطنات، وقد وجهت المقاومة الفلسطينية رشقات صاروخية باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأخرى استهدفت الضواحي الشمالية لتل أبيب، واستمرت في صد محاولات الاحتلال التوغل المحدود، وتستمر رشقات المقاومة لتدوي صافرات الإنذار في عدة مستوطنات، واستهدفت الرشقات الصاروخية مستوطنات ناحل عوز، ونير عوز ونيريم وماجن ونيف هعسراه، وأعلنت المقاومة أن عناصرها  يواصلون التصدي لقوات الاحتلال المتوغلة في منطقة الأمريكية شمال غرب بيت لاهيا، بعد اشتباكات مسلحة معها، استهدفوا خلالها آليات العدو، ونفذوا عدة عمليات قنص، كما وجهوا رشقات مكثفة وقوية للغاية تجاه تل أبيب ووسط إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى وقوع دمار كبير والعديد من الإصابات في صفوف المستوطنين، وتواردت أخبار عن إصابة ومقتل عدد من جنود الاحتلال، وتداولت وسائل إعلام عبرية أنباء عن وقوع الجنرال "يائير شالام" قائد الهجوم على مخيم البريج بغزة في قبضة المقاومة، وأن جيش الاحتلال لم يتمكن من التواصل مع الكتيبة ١٣، التي يبدو أنه تم القضاء عليها، كما أكد المتحدث باسم جيش الاحتلال احتجاز نحو 250 جنديًا في قطاع غزة، وأن النشاط البري معقد ويتضمن مخاطر على قوات الكيان المحتل.

وعلى الرغم من إرسال أمريكا طائراتها وقوات عسكرية، وتأكيد بايدن بأن الكيان المحتل ليس له خطوط حمراء، لكن واشنطن لا يبدو أنها متحمسة لاجتياح غزة إذ إنها أصبحت مسئولة بدرجة ما عما يدور في الأراضي الفلسطينية؛ سواء داخل غزة أو بالضفة الغربية والمستوطنات الأخرى، وقوات الاحتلال مرتبكة؛ ولذلك لم تتوقف عن ضرباتها ضد المدنيين، وعمليات التدمير التي لم يتحقق منها أي مكسب عسكري، ولم تضعف معنويات السكان ولم يفروا أو ينقلبوا على الفصائل الفلسطينية، بينما ارتفع سقف مطالب المقاومة أمام إطلاق سراح الرهائن بأن يتم الإفراج عن جميع الأسرى في سجون الاحتلال، ودخل حزب الله على خط النار، وإيران تقترب وتهدد، ووجدت أمريكا نفسها تنزلق إلى حرب لا تريدها الآن، فسوف تتعرض قواعدها فى العراق وسوريا لضربات موجعة أكثر، وأصبحت معرضة لخسائر تفوق بكثير ما لحق بها فى العراق وأفغانستان، في حال قررت مواجهة إيران، التي تمتلك كمية ضخمة من الصواريخ الدقيقة والفتاكة.

من هنا يمكن قراءة المشهد بصورة أوضح وزاوية مختلفة، ومن واقع جميع الأوراق، الرأي العام العالمي والتظاهرات التي تملأ مدن وعواصم العالم منددة بهمجية ووحشة الكيان المحتل، كما تؤكد الأصوات العربية بالتمسك بفكرة حل الدولتين وحق الفلسطينيين في وطنهم على حدود 67، وتغير مؤشر المنظمات الأممية، وحتى الدول الداعمة لإسرائيل وجهت مطالب بوقف إطلاق النار أو هدنة فى قطاع غزة، فضلا عن ضغط الداخل الإسرائيلي، وقد اندلعت احتجاجات عارمة وتظاهر المئات أمام مقر نتنياهو وأمام وزارة الأمن القومي وقطعوا الطرقات، مطالبين بضرورة الإفراج عن الأسرى لدى حماس وعقد صفقة مع الفصائل الفلسطينية بشأن الأسرى، ومحاسبة وإقالة نتنياهو، وقد طالبوه بإعادة ذويهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر بوقف إطلاق النار على غزة، واستعادة أبنائهم، وأبدوا موافقتهم على صفقة تبادل الكل مقابل الكل، والإفراج عن كل الأسرى الفلسطينيين، خصوصًا بعد إعلان المقاومة عن مقتل ما لا يقل عن خمسين من الرهائن بسبب القصف المتوالي، ليصبح نتنياهو، وحكومته في مأزق حقيقي في حالة استمرار الهجوم على غزة والإصرار على الاقتحام، أو حتى بعد التراجع، لتكون فرصة مهمة أمام الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية والكثير من المجتمع الدولي لطلب تقديمه إلى المحاكمة بوصفه مجرم حرب، وإن كان الفلسطينيون قد خسروا إنسانيًا، فقوات الاحتلال قد خسرت إستراتيجيًا وسياسيًا خسارة أكبر، بل إن أوراقهم أصبحت مكشوفة، وظهر عجزهم، وبات الجميع مدركًا أن مسألة الأمن والردع الإسرائيلي مجرد كلام، وهنا تسنح الفرصة الكبيرة لتشكيل تحالف إقليمي قوي أساسه العرب للتصدي لجميع المواقف بدءًا من الموقف الحالي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: