Close ad
30-10-2023 | 11:18

تنتفض الأرض وتهتز الأشجار فتتساقط الأوراق الجافة الصفراء التي لم تعد على قيد الحياة، وترتعش السماء ثم تتعانق الغيوم فتتساقط الأمطار لتغتسل الطرقات والبيوت والنفوس أيضًا، إنها لوحة ربانية بديعة وكأن كل مفردات الكون تتفق على نفس التوقيت.

وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاء هنالكَ فصلٌ أسميهِ فصلَ البكاء تكونُ به النفسُ أقربَ من أيّ وقتٍ مضى للسماءْ.. هكذا قال الشاعر المتفرد نزار قباني في وصفه لهذا التوقيت من العام والذي يمر علينا بنفس المؤثرات.

وما يثير الدهشة أن محادثات الهاتف بين الأصدقاء تؤكد هذه الحالة الساكنة بين ثنايا النفس، وفي ظل عصر السوشيال ميديا تتكشف بعض الخبايا من خلال المنشورات التي تمضي قدمًا في نفس الاتجاه العام ولا أعلم ما علاقة هذا الفصل بهذه الحالة الشجية، ومما زاد الطين بلة هذه الأحداث الكارثية التي تحدث في فلسطين، فتعتصر قلوبنا كمدًا على الجرائم البشعة التي أزهقت أرواح الأطفال والكبار ولم تبق على أحد، ورغم كل هذه المنغصات المؤلمة إلا أنه علينا أن نتمسك بالأمل ولا نسمح لليأس بإحتضاننا، ولنتذكر دائمًا مقولة الإمام الشافعي التي كان كثيرًا ما يرددها والدي العزيز رحمة الله عليهما: "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها، فرجت وكنت أظنها لا تفرج".

وهنا نقف لبضع ثوان ونتأمل الموقف بهدوء، لنجد أنفسنا متلبسين بجلد الذات، نحن نتصفح يوميًا المنشورات والفيديوهات المتناثرة كشظايا البلور المكسور على مواقع التواصل، بعضه مسبب للوجع والبعض الآخر للحزن، ولكن هل علينا أن نخضع ونستسلم لكل هذه المنغصات الحياتية؟ بالطبع لا.

علينا أن نتناول بعض المقويات والمضادات الحياتية على سبيل الوقاية قبل أن نسقط في بئر العلاج، وكما قال الروائي الأمريكي جوزيه هولاند: "تنمو الروح كما ينمو الجسد كل منهم عبر غذائه الخاص".

ولكل منا غذاؤه الذي لا يعرفه غيره، لهذا علينا أن نغذي أرواحنا بما يليق بها، ونشحذ قلوبنا بالحب والخير، مهما تكالبت الظروف المحيطة، وإذا كان الجوع مؤلمًا للمعدة، فإن جوع القلب أكثر إيلامًا.

كن حانيًا على نفسك وطبطب على روحك ولا تقسو عليها، حتى وإن لم تجد من يطبطب عليها، كن سندًا لأحلامك وداعمًا لطموحك ولا تحمل نفسك أكثر من طاقتها، وقد أمرنا الله عزوجل أن ندعوه قائلين: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به".. صدق الله العظيم.

فالقوة صفة حميدة حين تستخدم في مكانها الصحيح، وهي اختيار، فأنت وحدك من يقرر إما أن تكون قويًا أو ضعيفًا وربما هشًا، والقوة لم تعد على صورتها القديمة في الأساطير، ولم تعد تقتصر على البنيان الجسدي والعضلات وخلافه، ولكنها تكمن في الصدر، وأتذكر كلمات نزار قباني بهذا الصدد قائلا: "هناك ثقافة واحدة هي ثقافة القوة، حين أكون قويًا يحترم الناس ثقافتي، وحين أكون ضعيفًا أسقط أنا وتسقط ثقافتي".

لا تشكُ من ضعفك الجسدي، هذا لا شيء، القوة في القلب، هناك تكون أو لا تكون، الشجاعة تأتي مع الإيمان، الموت نفسه يأتي مع الإيمان، حين تؤمن بشيء فأنت على استعداد لأن تموت من أجله، أمّا إذا كنت مستسلمًا لموج الحياة، فإنّك لن تجيد السباحة في بحرها، ولن تكون قادرًا على مواجهة مصاعبها، الخوف ليس فطرة، الجرأة ليست فطرة، كلاهما يُكتسب اكتسابًا.. هذا ما قاله الروائي السوري نصير الفقراء "حنا مينه".

وكلما اشتدت عليك الصعاب، فلابد من تفعيل خلايا العناد لديك، لا تستسلم أبدًا، وتأكد أنك لو فشلت في تقييم ذاتك ووضعها في مكانها اللائق بك، فلن يجيد أحد تقييمك، ولن يعطيك أحد حق قدرك، كن غاليًا عند نفسك أولًا "إلا أنت"، كن أنت كما ينبغي ولا تتهاون أبدًا في حقك، وإذا كانت البسمة في وجه أخيك صدقة، فصفاء نفسك وتبسم قلبك واجب حتى تقوى على مجابهة الأزمات ومساعدة الغير، وتذكر أنه لا أحد يبقى لأحد إلا الواحد الأحد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: