Close ad
23-10-2023 | 14:40

استيقظت ذات صباح على إحدى صديقاتي تهاتفني وهي تصرخ ، حتى أنني لم أتمكن من تفسير ما تتفوه به، وحاولت تهدئتها حتى أتمكن من الفهم الجيد للموقف الذي أوصلها لهذا الحد، وقد ظننت في بداية الأمر أنها ربما تكون "زوبعة" زوجية كالمعتاد، لكن الحقيقة أن ابنتها ذات العشرة أعوام قد ارتكبت فعلا مؤلما للغاية أصاب الأم بصدمة مفرطة ، فقد استيقظت صديقتي مبكرا كالعادة حتى توقظ أطفالها للذهاب إلى المدرسة، ولكن ابنتها لا تجيبها ووضعت بجوارها ورقة كبيرة، وحين قرأت الأم الورقة وهي ترتجف كان المضمون أنها توصي بترك عرائسها لأختها الصغيرة وبعض ملابسها لصديقتها في المدرسة وأحذيتها لصديقات النادي، وفزعت الأم وباتت تصرخ في ابنتها وتهزها بعنف "قومي ..اصحي" فقامت الطفلة على صراخها ووبختها الأم ونهرتها بقوة: إيه اللى انت كاتباه ده، بعد الشر عنك، وأجابتها الطفلة ببراءة شديدة "انا كتبت وصيتي زي طفلة غزة هو حضرتك ما شوفتيش الفيديو؟"
ثم هؤلاء مجموعة من الصبية بالمرحلة الابتدائية بإحدى المدارس لفتوا نظر المدرسين حين نزلوا في "البريك" وقاموا بالاصطفاف وهم يحملون كرتونة يضعون بها دمية ويغطونها بالمناديل البيضاء وحين سألهم مدرس ماذا تفعلون، أجابوا: نلعب، وسألهم مرة أخرى ماذا تلعبون؟ أجابوا: لعبة الشهيد زي أطفال فلسطين!

والأنكى أن حكت إحدى الأمهات على جروبات المدارس أنها سمعت اصوات طلق ناري بعد المغرب وانتفضت مفزوعة ونزلت تتقفى الأثر فإذا بابن الحارس يذاكر وهو يستمع لأصوات تبادل النيران على اليوتيوب! وحين سألته ما هذا؟ أجابها: بذاكر زي إخواتنا في غزة هم يعني بيعملوا كده إزاي دي حاجة صعبة جدا!

والكثير من الأمهات لاحظن أن أولادهن يكتبون أسماءهم على أيديهم تشبها بأطفال فلسطين، وإذا كنا جميعا هنا أو في الوطن العربي والعالم أجمع نمتعض وننفعل ونتأذى مما يحدث على أرض فلسطين من انتهاك للإنسانية ووأد للطفولة في مهدها، ونسعى بكل جهدنا أن نساعدهم ونقدم لهم الدعم إلا أن الحقيقة الغائبة عنا أننا أيضا في خطر وأن أجيالنا القادمة في خطر فادح، فإذا كنا نحاول دائما تقنين ما نقدمه لأبنائنا والسيطرة والرقابة على المضمون في وسائل التواصل الاجتماعي وخلافه، فإن المضمون الذي تقدمه كل الشاشات المتاحة بنا سواء تليفزيون أو موبايل أو كمبيوتر مكتظ بأخبار أشد وطأة على الأطفال فهم يشاهدون القتل والقصف والجرائم واقعيا وليس من خلال ألعاب إلكترونية وفيديو جيم، وكيف لطفل أن يرى نظيره متهتك الجسد أو ملقى صريعا أو يكسوه الدم!!

انتبهوا أيها السادة إن ما يحدث في فلسطين جرائم حرب تقتل إنسانيتنا جميعا، وإذا كنا نحن أنفسنا لا يمكن أن نتحكم في أعصابنا ومشاعرنا كلما شاهدنا ما يحدث ونصرخ مهللين: حسبنا الله ونعم الوكيل، فما بالنا بالأطفال أو الشباب ذوي المشاعر المتمردة الحائرة، كيف تتربى هذه الأجيال على مثل هذا النمط من العنف والقهر؟ لقد أصبحنا في أمس الحاجة لعصارة كل العلوم النفسية والاجتماعية والسلوكية مجتمعة حتى نتمكن من تخطي هذه المرحلة شديدة القسوة، كما يجب علينا توعية أطفالنا بشكل مركز ومدروس إزاء ما يحدث ونحاول مساعدتهم في تقبله بطرق مخففة والحرص على أن نلقنهم الحقائق بشكل معقول يتناسب مع أعمارهم.

والتوعية تلك ليست مسئولية الأسرة فحسب؛ بل هي مسئولية مشتركة بين كل المؤسسات التربوية سواء في المدارس أو الجامعات أو دور العبادة والنوادي ووسائل الإعلام المختلفة.

ولو كانت الحروب العالمية سابقا قد شوهت مدنا وبلدانا وغيرت ملامح البشر مثل ما حدث في هيروشيما إلا أن الحرب الإسرائيلية الراهنة تدمر ملامح اجيال اليوم والمستقبل أيضا وربما تحدث طفرات جينية في التركيبة البشرية من فرط الفحش والدموية
ولا أحد يعلم لماذا أصبحت الإنسانية يتيمة في هذ العالم بلا داعم، وأين انقرضت الحقوقية ولماذا زهق الحق ولم يذهب الباطل إلى حيث أتى؟ وكيف تحول كيان وهمى يدعى "الصهيونية" إلى قوى محركة عالميا ولم يكتف حكماء صهيون باغتصاب الأرض، بل اغتصبوا الطفولة والبراءة، ولكن ربما ينقلب السحر على الساحر في الغد القريب فهؤلاء الأطفال مسلوبو البراءة أصبحوا جنودا ومحاربين في وجه هذا المغتصب الذي لا يفنى، ولكنه استحدث من عدم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: