Close ad

خرائط جوجل ومسارات الاقتصاد

17-10-2023 | 15:51
الأهرام المسائي نقلاً عن

ربما لا يعرف الكثيرون أن الملياردير إيلون ماسك هو أحد أوائل مبتكري برامج الربط بين الخرائط الإلكترونية والخدمات.

في منتصف التسعينيات، وخلال دراسته بإحدى الجامعات الكندية، أطلق ماسك برنامجًا لتسويق البيتزا، يُمكن الراغبين في الشراء من التعرف على المحال القريبة منهم، وأسعارها، وتحديد طلباتهم.

بتطور الإنترنت، أطلقت إحدى الشركات عام 2005 برنامج الخرائط، وذلك بعد استحواذها على عدة شركات ناشئة معنية بمنصات عمل تربط بين الجغرافيا والخدمات، فدمجت برامجها وسوقتها تحت عنوان واحد.

بمجرد تحديد موقعك والعنوان الذي تريد الوصول إليه، وعبر خوارزميات معقدة تظهر أمامك خريطة توضح المسارات المتاحة واختيارات الوصول بالباص أو السيارة، والوقت المتوقع لكل اختيار.

بإرادة منفردة يحدد المستخدم اختياراته ويبدأ رحلته، وعلى التوازي يُحدَث المسار بشكل آني طبقًا للكثافة المرورية.

الجميل في الأمر، أنه ما من مستخدم يخالطه شك عدم الوصول إلى هدفه، حتى لو تضمن المسار طريق ترابي مهجور يبطئ فيه من سرعته، كل ما عليه حينئذ أن يتوقف جانبًا ليراجع موقعه وهدفه، قبل معاودة السير مرة أخرى.

ثمة تشابه بين هذه الخرائط وما يضعه الاقتصاديون من خرائط طريق Roadmaps وما يطرحونه من آليات/نظريات لمواجهة تحديات الركود وتباطؤ معدلات النمو وتطوير الأداء. ثلاثة عوامل مشتركة تربط بينهما؛ الخرائط، والمستخدمون، والسيارات/الباص مع الشركة، والخرائط، والمواطنين، والتشريعات/النظريات مع الاقتصاد.

لتقريب وجهة النظر، يعادل استخدام سيارة خاصة في الخرائط  المنهج الرأسمالي في الاقتصاد، في حين تحاكي وسائل النقل الجماعي المنهج الاشتراكي، والفارق كبير بين الحالتين؛ السرعة، والكُلفة، والنتائج.

تمنحك السيارة الخاصة صِفَتين؛ الراكب وصاحب القرار، قرار متي تبدأ رحلتك، ومتى تتوقف، وإن ارتأيت تغيير المسار فالأمر يرجع إليك وحدك.

أما مع النقل الجماعي؛ فصفتك كراكب فقط لا تمنحك حق اختيار المسار أو تغييره. إذ يمضي الباص في طريق مرسوم، لا يغيره ولو كان مزدحمًا على الدوام؛ بمعنى آخر، يفتقد الباص مرونة السيارة.

وكي لا يظن القارئ أننا نُزكي نموذجا على آخر، تؤكد التجارب العملية أن النجاح والريادة مرهونان بالتحلي بالمرونة وتجنب القوالب الجامدة؛ معالجة ذات المشكلة بنفس المنهج والأدوات ألف مرة، حتمًا يؤدي إلى نفس النتيجة، وكما قيل في الأثر (السرعة لا تهم ما دمت في الاتجاه الخطأ).

فالصين مثلاً، كانت النموذج الأمثل والأقرب لفكرة الباص خلال عقود ماوتسي تونج، حتى إذا جاء دينج شياو بينج منتصف الثمانينات، ترك مقدسات الاشتراكية قائمة على أصولها، وانطلق نحو اقتصاد السوق.

والسؤال الآن؛ لماذا تتعثر برامج الإصلاح الاقتصادي إذن.

فضلاً عن دور المعرفة والخبرة في إدارة الاقتصاد، يظل الاستحواذ على ثقة المواطنين أمرًا مراوغًا، فما يراه شخصٌ ما رفاهية يراه آخرون حدًا أدنى. وكم من تجارب ناجحة أُجهضت بعد ما أطفأت رياح الشك جذوة نارها.

عادةً، يبحث المواطنون في خرائط طرق الاقتصاد عن منهجية اختيار خبير حفيظ عليم، يوضح لهم مسار الرحلة؛ أطويل هو أم قصير. خبيرٌ يبين لهم معالم طريق بين ممهد ووعر، بل وتكتنفه منعطفات تستدعي الكثير من الحذر. خبيرٌ يحيطهم بالمستجدات من حين لآخر، محاكيًا الخرائط؛ من حيث المنهج وتقييم الرحلة، فالاقتصاد أولى بمؤشرات لا يُختلف عليها.

عندها يمكنك الحصول على ثقة تناطح نظيرتها في الخرائط الموجودة الآن، شريطة وضع مؤشرات واضحة، قابلة للقياس، مؤشرات لا تعتمد على الانطباعات التي تفضلها الاقتصادات الهشة، بغرض تجميل الصورة ودغدغة المشاعر، تتحول معها التشريعات/النظريات وخرائط الطرق إلى عناوين مجوفة تصفر فيها رياح الشك والكساد.

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة