Close ad

أوقفوا المجازر أو لا سلام

17-10-2023 | 09:41

بنظرة تاريخية خاطفة يمكن الوقوف بوضوح أمام تفسير هذا الدعم اللامحدود للكيان المحتل المدعو إسرائيل من قبل أمريكا والغرب، وغض الطرف تمامًا عما حدث منذ خمسة وسبعين عامًا وإلى الآن بحق الفلسطينيين، الذين لم يشفع لهم وجود مؤسسات دولية مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها في وقف ما يتم ارتكابه من تهجير ومذابح، واستيطان لبلادهم، من أجل حماية دولة الكيان الصهيوني وضمان بقائها واستمرارها، ودعمها اقتصاديًا، وتقويتها عسكريًا، وتأييدها دبلوماسيًا، فلا حصر للمجازر الدموية التي ارتكبها المحتل منذ مذبحة بلد الشيخ، ودير ياسين وخان يونس وتل الزعتر وصابرا وشاتيلا والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، والمذابح المتكررة وصولا إلى هذه اللحظة في غزة، يظل الغرب على ضلاله القديم الجديد مساندًا وداعمًا لشوكة اليهود التي زرعها في ظهر الشرق غصبًا، بعد أن طردهم في الماضي ليتخلص من نفوذهم ويبعدهم عن مراكز اتخاذ القرار، بعد أن صاروا فاحشي الثراء ويبنون لهم دولة داخل كل دولة، يقيمون البنوك ويعملون بالتجارة ويقرضون المواطنين ويزرعون الفتن، فلم يكن أمام الغرب البائس سوى التمسك بوعد بولفور والزج بهم نحو فلسطين، لإنشاء وطن قومي لهم.

وفي قلب الأرض القديمة يجد الفلسطينيون منازلهم وضيعاتهم، وحدائق الكروم والزيتون، وذكريات أمكنة تتنفس بعبق التاريخ، وعراقة الماضي التليد، قبل أن يتلاشى الكثير منها وينحسر، من القدس، يافا، حيفا، عكا، بئر السبع، جنين، بيسان، الخليل والناصرة وطبريا وطولكرم، وغيرها، هذا المكان الذي ارتبط بفلسطين اسما وإرثا وهوية وشعبا حرا في وطن يقع بقلب العالم القديم، وظلت حلقة وصل بين حضارات وثقافات الأمم، هذا الوطن الذي تآكل الآن وتم اغتصابه من قبل عصابة همجية أراد الغرب أن يتخلص من بوائقها فدفعها إلى هناك، ليواجه أبناء فلسطين وفي القلب منها غزة مصيرا مؤلما ووحشية وهمجية تلي موجات الاستيطان من الكيان الصهيوني الغاصب والمحتل، وصولا إلى الحالة المضطربة الراهنة واللحظة الأصعب في تاريخ أبناء هذا الوطن الذين تآمر عليهم الغرب، بكل وقاحة وأطلقوا يد الصهاينة العابثين يعيثون في الأرض نهبا وقتلا وتدميرا، والاعتداء الهمجي الذي يتعرض له أهلنا في غزة لا هدف له سوى عقابهم جماعيًا بل وإبادتهم، فأكثر من 2 مليون إنسان في غزة المحاصرة منذ 17 عامًا، نصفهم تقريبًا من الأطفال، لا يزالون يتعرضون لسياسة انتقامية جنونية تحت سمع وبصر العالم، هذا العالم الذي وضع قوانين وأعرافًا دولية يصم آذانه عنها الآن أمام محاولات التهجير القسري الذي يعد جريمة حرب، وعدم التمييز بين المدنيين والمقاتلين جريمة حرب، والعقاب الجماعي جريمة حرب، هذه هي مبادئ القانون الإنساني، لكن من الواضح أن الاحتلال وبضوء أخضر من الداعمين له لا ولن يعرف للحرب قانونًا.

هذا الغرب الذي كم نادى بحقوق الإنسان كذريعة تخدم مصالحه في الشرق،  فبدت هذه الحقوق  مقيدة لهم. 

وعندما يكون هذا الإنسان عربيًا أو إفريقيًا، تُنزع عنه الإنسانية. وبالتالي تصبح أرضه مُباحةً، ودمه مهدورًا، ولا مانع من تدنيس الأماكن المقدسة وتعريض الضعفاء للخوف واستخدام العنف المطلق في حقهم دون رادع، مثل هؤلاء لا يفهمون سوى لغة القوة والمصالح الشخصية، وفي سعيهم لحماية من يسمونهم المستوطنين ـ الذين جلبوهم من هنا وهناك دون أدنى حق لهم ـ يستمرون في العمل على تفاقم المعاناة لأبناء غزة.

 لكن هؤلاء يتناسون معادلة الكون، والحقيقة الثابتة بأن صاحب الحق وصاحب الأرض لا تلين عزيمته حتى آخر نفس وآخر ظل له على الأرض، وأن الاحتلال لا يدوم والإحباط واليأس حتما يؤديان إلى مزيد من الانفجارات والمواجهات، ولا يمكن لأحد أن يساوي مهما كانت الظروف بين دولة الاحتلال والشعب المحتل، وأن الأفعال مهما بلغت فإنها تُولد ردود الأفعال، وخصوصًا بعد مضي سبعة عقود من الاستيطان والقمع والتنكيل والقصف والظلم إلى أبعد الحدود أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي العاجز والمتخاذل بل والمشارك في الجرائم، فبدا أن نبرة حقوق الإنسان، مجرد صوت رخيص في حناجرهم يستخدمونها وفق مصالحهم فحسب وللضغط بأي صورة على الشعوب والحكومات العربية، وفي الوقت نفسه تتوه بوصلة هذه الحقوق وتُنتهك تمامًا كأن لا وجود لها، أمام مشاهد الدماء والقتل اليومية لأطفال فلسطين المحتلة وأبناء غزة، طالما سيزدهر مشروع الكيان الصهيوني المحتل، لكن هيهات أن تتحقق نوايا إسرائيل بتحجيم مساحة غزة والسيطرة عليها وعلى مخارجها بالكامل.

وعلى العالم المتعامي عن حقائق التاريخ والشعوب أن يعي جيدًا الموقف العربي وبالأخص، رد الفعل المصري التاريخي والثابت والدائم، الذي لا مجال للتردد فيه تجاه القضية الفلسطينية ومحاولة تصفية تلك القضية، فالخراب الذي يلحق غزة ودماء أبنائها وأطفالها وشيوخها ونسائها، سيبقى عارًا يلاحق الغرب المدلس، وشرخًا كبيرًا لن يلتئم في ضمير الإنسانية، وليس من سبيل سوى الاعتداد بأهمية التعامل وفقا للقانون الدولي، والمحاولة والإصرار والدعوة إلى التحرك لوقف هذه المهزلة والعبث الإنساني اللا محدود، ولتجتمع جهود كل الأطراف الفاعلة وأصحاب النفوذ الإقليميين المؤثرين لوقف العنف والتجبر والانتهاك، وبغير ذلك فلا سلام على الأرض، بل وسيكون لسان حال هؤلاء الأبرياء اصحاب الأرض، العدو خلفكم والبحر أمامك وبذلك سينقلب السحر على الساحر وستجني أوروبا ثمار ما زرعته.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة